تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 661

مساهمون:

ص٦٦١
دينار يطوف في السوق فإذا رأى الشيء يشتهيه قال لنفسه : اصبري فو اللّه ما أمنعك إلا من كرامتك عليّ . فإذا قد اتفق العلماء والحكماء على أن لا طريق إلى سعادة الآخرة إلا بنهي النفس عن الهوى ومخالفة الشهوات ، فالإيمان بهذا واجب . وأما علم تفصيل ما يترك من الشهوات وما لا يترك لا يدرك إلا بما قدمناه . وحاصل الرياضة وسرها أن لا تتمتع النفس بشيء مما لا يوجد في القبر إلا بقدر الضرورة ، فيكون مقتصرا من الأكل والنكاح واللباس والمسكن وكل ما هو مضطر إليه على قدر الحاجة والضرورة ، فإنه لو تمتع بشيء منه أنس به وألفه ، فإذا مات تمنى الرجوع إلى الدنيا بسببه ولا يتمنى الرجوع
شرح
البصري رحمه اللّه تعالى ( يطوف في السوق ، فإذا رأى الشيء يشتهيه قال لنفسه : اصبري فو اللّه ما أمنعك ) عنه ( إلا من كرامتك عليّ ) وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق إبراهيم بن بشار قال : سمعت إبراهيم بن أدهم يقول : أشد الجهاد جهاد الهوى من منع نفسه هواها ، فقد استراح من الدنيا وبلاها ، وكان محفوظا ومعافى من أذاها . وقد أورد القشيري في الرسالة في باب مخالفة النفس وذكر عيوبها ما يحسن إيراده هنا قال : قال ذو النون المصري : مفتاح العبادة الفكر وعلامة الإصابة مخالفة النفس والهوى ومخالفتها ترك شهواتها . وقال ابن عطاء : النفس مجبولة على سوء الأدب ، والعبد مأمور بملازمة الأدب ، فالنفس تجري بطبعها في ميدان المخالفة ، والعبد يردها بجهده عن سوء المطالبة ، فمن أطلق عنانها فهو شريكها معها في فسادها . وقال أبو حفص الحداد : من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات ولم يخالفها في جميع الأحوال ولم يجرها إلى مكروهها في سائر أيامه كان مغرورا ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها . وقال أبو بكر الطبستاني : النعمة العظمى الخروج عن النفس لأن النفس أعظم حجاب بينك وبين اللّه تعالى : وقال سهل : ما عبد اللّه بشيء أفضل من مخالفة النفس والهوى ، وسئل ابن عطاء عن أقرب شيء إلى مقت اللّه تعالى . فقال : رؤية النفس وأحوالها وأشد من ذلك مطالعة الأعواض على أفعالها . وقال محمد بن عبد اللّه : آفة العبد رضاه عن نفسه بما هو فيه . ( فإذا قد اتفق العلماء والحكماء على أن لا طريق إلى سعادة الآخرة ) التي هي بقاء بلا فناء ( إلا بنهي النفس عن الهوى ومخالفة الشهوات ، فالإيمان بهذا واجب ، وأما علم تفصيل ما يترك من الشهوات وما لا يترك فينكشف مما قدمناه . وحاصل الرياضة وسرّها أن لا تتمتع النفس بشيء مما لا يوجد في القبر إلا بقدر الضرورة ) والاحتياج ، ( فيكون مقتصرا من الأكل ) والشرب ( والنكاح والمسكن ) والمركب ، ( وكل ما هو مضطر إليه على قدر الحاجة والضرورة ) الداعية فقط ، ( فإنه لو تمتع بشيء منه أنس به ) طبعا وعادة ( وألفه ، فإذا ما تمنى الرجوع إلى الدنيا ولا يتمنى الرجوع إلى الدنيا إلا من لاحظ له في الآخرة ) إلا ما