تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 660

مساهمون:

ص٦٦٠
وقال الجنيد : أرقت ليلة فقمت إلى وردي فلم أجد الحلاوة التي كنت أجدها ، فأردت أن أنام فلم أقدر ، فجلست فلم أطق الجلوس ، فخرجت فإذا رجل ملتف في عباءة مطروح على الطريق ، فلما أحس بي قال : يا أبا القاسم إليّ الساعة ، فقلت : يا سيدي من غير موعد ؟ فقال : بلى سألت اللّه عز وجل أن يحرك لي قلبك ، فقلت : قد فعل فما حاجتك ؟ قال : فمتى يصير داء النفس دواءها ؟ فقلت : إذا خالفت النفس هواها ، فأقبل على نفسه فقال : اسمعي فقد أجبتك بهذا سبع مرات فأبيت أن تسمعيه إلا من الجنيد ها قد سمعتيه ، ثم انصرف وما عرفته . وقال يزيد الرقاشي : إليكم عني الماء البارد في الدنيا لعلي لا أحرمه في الآخرة . وقال رجل لعمر بن عبد العزيز رحمه اللّه تعالى : متى أتكلم ؟ قال : إذا اشتهيت الصمت ، قال : متى أصمت ؟ قال : إذا اشتهيت الكلام . وقال علي رضي اللّه عنه : من اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات في الدنيا . وكان مالك بن
شرح
( وقال ) القشيري في الرسالة : سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت إبراهيم بن مقسم ببغداد يقول : سمعت ابن عطاء يقول : قال : ( الجنيد ) رحمه اللّه تعالى : ( أرقت ) بكسر الراء أي سهرت ( ليلة فقمت إلى وردي ) من الصلاة ، ( فلم أجد الحلاوة التي كنت أجدها ) من قبل أي التلذذ بالمناجاة فتحيرت في سببه ، ( فأردت أن أنام فلم أقدر ) عليه وأنا على هذه الحال ، ( فقعدت ) لأذكر اللّه في غير صلاة ( فلم أطق القعود ) ففتحت الباب ( فخرجت ) أنتظر الفرج ، ( فإذا رجل ملتف في عباءة ) بالمد كساء من صوف ( مطروح على الطريق فلما أحس بي ) رفع رأسه و ( قال : يا أبا القاسم إليّ الساعة ) أي لم لم تخرج من حين تحيرت ؟ وهذا منه مكاشفة بحالة الجنيد ، ( فقلت ) له : ( يا سيدي ) جئتني ( عن غير موعد بوقت فقال : بلى ) جئتك بموعد ، فإني ( قد سألت محرك القلوب أن يحرك لي قلبك ) أي فالوقت الذي طلبتك فيه منه هو أول ما حركك فهو الموعد ، ( فقلت : قد فعل ذلك ) أي حركني لك ( فما حاجتك ؟ فقال : متى يصير داء النفس دواءها ؟ فقلت : إذا خالفت النفس هواها فأقبل على نفسه وقال : اسمعي قد أجبتك بهذا ) الجواب ( سبع مرات فأبيت أن تسمعيه ) أي تقبليه ( إلا من الجنيد ) فقد سمعت ذلك منه ( فانصرف وما عرفته ) ، فعلم من هذه القصة أن الدواء النافع للنفس مخالفة هواها بما يرضي مولاها . ( وقال يزيد ) بن أبان ( الرقاشي ) بتخفيف القاف أبو عمرو البصري القاص ، زاهد ضعيف ، مات قبل العشرين بعد المائة : ( إليكم عني الماء البارد في الدنيا لعلي لا أحرمه في الآخرة ) لما علم أن نفسه تشتهي الماء البارد منعها منه حسما لشهوتها ( وقال رجل لعمر بن عبد العزيز ) رحمه اللّه تعالى ( متى أتكلم ؟ قال : إذا اشتهيت الصمت . فقال : فمتى أصمت قال إذا اشتهيت الكلام ) أي خالف نفسك في هواها ، فإذا أطمأنت إلى الكلام فخالفها بما يضاده وهو السكوت وبالعكس . ( وقال علي كرم اللّه وجهه : من اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات في الدنيا ) لأن الجنة حفت بالمكاره ، كما أن النار حفت بالشهوات ، ( وكان مالك بن دينار )