تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 656

مساهمون:

ص٦٥٦
الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ
[ المجادلة : 11 ] فمن صدّق بان مخالفة الشهوات هي الطريق إلى اللّه عز وجل ولم يطلع على سببه وسره فهو من الذين آمنوا ، وإذا اطلع على ما ذكرناه من عوان الشهوات فهو من الذين أوتوا العلم وكلّا وعد اللّه الحسنى . والذي يقتضي الإيمان بهذ الأمر في القرآن والسنّة وأقاويل العلماء أكثر من أن يحصر . قال اللّه تعالى :
وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى
[ النازعات : 40 ، 41 ] وقال تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى
[ الحجرات : 3 ] قيل : نزع منها محبة الشهوات . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « المؤمن بين خمس شدائد : مؤمن يحسده ومنافق يبغضه وكافر يقاتله وشيطان يضله ونفس تنازعه » فبيّن أن النفس عدوّ منازع يجب عليه مجاهدتها .
شرح
آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ )ففيه بيان تفاوت الدرجات ، وأن العلم بعد الإيمان ، ( فمن صدق بأن مخالفة الشهوات هو الطريق إلى اللّه ) تعالى ( ولم يطلع على سببه وسره فهو من الذين آمنوا ) وهو على درجة ، ( فإذا طلع على ما ذكرناه من أغوار الشهوات وأسرارها فهو من الذين أوتوا العلم ) وهو على درجة( وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى ) *أي الجنة . ( والذي يقتضي الإيمان بهذا الأمر في القرآن والسنة وأقاويل العلماء أكثر من أن يحصى . قال اللّه تعالى )وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ ( وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوىوقال تعالى )إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ( أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى ) لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ( قيل : نزع ) اللّه ( عنهما محبة الشهوات ) ، وكتب مجاهد إلى عمر رضي اللّه عنه : يا أمير المؤمنين رجل لا يشتهي المعصية ولا يعمل بها أفضل أم رجل يشتهي المعصية ولا يعمل بها فكتب عمر : إن الذين يشتهون المعصية ولا يعملون بها أولئك الذي امتحن اللّه قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم . أخرجه أحمد في الزهد . وعن قتادة في قوله :امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوىقال : أخلص اللّه قلوبهم فيما أحب . أخرجه الفريابي وعبد بن حميد ، وابن جرير ، والبيهقي في الشعب . وروى الحكيم عن مكحول رفعه : « نفس ابن آدم شابة ولو التفت ترقوتاه من الكبر إلا من امتحن اللّه قلبه للتقوى وقليل ما هم » . ( وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « المؤمن بين خمس شدائد : مؤمن يحسده ، ومنافق يبغضه ، وكافر يقتله ، وشيطان يضله ، ونفس تنازعه » ) قال العراقي : رواه أبو بكر بن لآل في مكارم الأخلاق من حديث أنس بسند ضعيف ، ( فبيّن أن النفس عدوّ منازع تجب مجاهدته ) لأنه أكبر الأعداء .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 656 | مرتضى الزبيدي