تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 654

مساهمون:

ص٦٥٤
تبدي المساوىء . ولعل انتفاع الإنسان بعدوّ مشاحن يذكره عيوبه أكثر من انتفاعه بصديق مداهن يثني عليه ويمدحه ويخفي عنه عيوبه ، إلا أن الطبع مجبول على تكذيب العدوّ وحمل ما يقوله على الحسد ، ولكن البصير لا يخلو عن الانتفاع بقول أعدائه فإن مساوئه لا بدّ وأن تنتشر على ألسنتهم . الطريق الرابع : أن يخالط الناس فكل ما رآه مذموما فيما بين الخلق فليطالب نفسه به وينسبها إليه ، فإن المؤمن مرآة المؤمن ، فيرى من عيوب غيره عيوب نفسه ويعلم أن الطباع متقاربة في اتباع الهوى ، فما يتصف به واحد من الأقران لا ينفك القرن الآخر عن أصله وعن أعظم منه أو عن شيء منه ، فليتفقد نفسه ويطهرها على كل ما يذمه من غيره وناهيك بهذا تأديبا ، فلو ترك الناس كلهم ما يكرهونه من غيرهم لاستغنوا عن المؤدب . قيل لعيسى عليه السلام : من أدبك ؟ قال : ما أدبني أحد ، رأيت جهل الجاهل شينا
شرح
تبدي المساويء ) أي تظهرها كما أن عين الرضا تكل عن كل عيب ، ( ولعل انتفاع الإنسان بعدوّ مشاحن يذكره عيوبه أكثر من انتفاعه بصديق مداهن يثني عليه ويمدحه ويخفي عنه عيوبه ، إلا أن الطبع مجبول على تكذيب العدوّ وحمل ما يقوله ) له وفيه ( على الحسد ) المحض ، ( ولكن البصير ) الناقد لأحواله ( لا يخلو عن الانتفاع بقول أعدائه ، فإن مساوئه لا بد وأن تنتشر على ألسنتهم ) ويبلغ ذلك عنهم ، فيتنبه لما يقولون فيه ويتدارك لما فرط منه بمعالجة تلك العيوب وإزالتها عن نفسه مهما أمكن ولكل مجتهد نصيب . ( الطريقة الرابعة : أن يخالط الناس فكل ما يراه مذموما فيما بين الخلق فيطالب نفسه به وينسب نفسه إليه ، فإن المؤمن مرآة المؤمن ) كما رواه الطبراني في الأوسط والضياء من حديث أنس ، ( فيرى في عيوب غيره عيوب نفسه ، ويعلم أن الطباع متقاربة في اتباع الهوى فما يتصف به واحد من الأقران لا ينفك القرن الآخر ) وهو بكسر القاف من يقارن في علم أو غيره . واحد الأقران كحمل وأحمال ( عن أصله أو عن أعظم منه أو عن شيء منه فيتفقد نفسه ويطهرها عن كل ما يذمه من غيره ، وناهيك بهذا تأديبا ) أي إليه المنتهي فيه كأنه ينهاك عن غيره ، ( فلو ترك الناس كلهم ما يكرهون من غيرهم لاستغنوا عن المؤدب ) رأسا . ( قيل لعيسى ابن مريم ) عليه السلام : ( من أدبك ؟ فقال : ما أدبني أحد رأيت جهل الجاهل فجانبته ) فهذا أدب يحصل من النفس عند المخالطة . وذكر الخطيب في تاريخه في ترجمة شريك النخعي بسنده إلى يحيى بن يزيد قال : مر شريك بالمستنير بن عمرو النخعي فجلس إليه
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 654 | مرتضى الزبيدي