تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 653

مساهمون:

ص٦٥٣
ولهذا كان داود الطائي قد اعتزل الناس فقيل له : لم لا تخالط الناس ؟ فقال : وما ذا أصنع بأقوام يخفون عني عيوبي ؟ فكانت شهوة ذوي الدين أن يتنبهوا لعيوبهم بتنبيه غيرهم ، وقد آل الامر في أمثالنا إلى أن أبغض الخلق إلينا من ينصحنا ويعرفنا عيوبنا . ويكاد هذا أن يكون مفصحا عن ضعف الإيمان فإن الأخلاق السيئة حيات وعقارب لداغة ، فلو نبهنا منبه على أن تحت ثوبنا عقربا لتقلدنا منه منة وفرحنا به واشتغلنا بإزالة العقرب وإبعادها وقتلها . وإنما نكايتها على البدن ويدوم ألمها يوما فما دونه ، ونكاية الأخلاق الرديئة على صميم القلب ويخشى أن تدوم بعد الموت أبدا أو آلافا من السنين . ثم إنا لا نفرح بمن ينبهنا عليها ولا نشتغل بإزالتها بل نشتغل بمقابلة الناصح بمثل مقالته فنقول له : وأنت أيضا تصنع كيت وكيت وتشغلنا العداوة معه عن الانتفاع بنصحه ، ويشبه أن يكون ذلك من قساوة القلب التي أثمرتها كثرة الذنوب . وأصل كل ذلك ضعف الإيمان . فنسأل اللّه عز وجل أن يلهمنا رشدنا ويبصرنا بعيوبنا ويشغلنا بمداواتها ويوفقنا للقيام بشكر من يطلعنا على مساوئنا بمنه وفضله . الطريق الثالث : أن يستفيد معرفة عيوب نفسه من ألسنة أعدائه ، فإن عين السخط
شرح
( ولهذا كان داود ) بن نصير ( الطائي ) رحمه اللّه تعالى ( قد اعتزل عن الناس ، فقيل له : لم لا تخالط الناس ؟ فقال : ما ذا أصنع بأقوام يخفون عني عيوبي ) نقله صاحب القوت ، ( فقد كان شهوة ذوي الدين أن يتنبهوا لعيوبهم بتنبيه غيرهم ، وقد آل الأمر في أمثالنا أن أبغض الخلق إلينا من ينصحنا ويعرفنا عيوبنا ) ويعددها علينا ، ( وكاد يكون هذا مفصحا عن ضعف الإيمان ، فإن الأخلاق السيئة ) في الإنسان ( حيات وعقارب لداغة . ولو نبهنا منبه على أن تحت ثوب أحدنا عقربا ) أو حية ( لتقلد منه منة ) وجميلا ( وفرح بذلك واشتغل بإبعاد العقرب ) أو الحية ( وقتلها ، وإنما نكايتها على البدن ولا يدوم ألمها إلا يوما فما دونه ) وإن زاد فلا يزيد على يوم وليلة . ( ونكاية الأخلاق الرديئة على صميم القلب ) أي باطنه ( ويخشى أن تدوم بعد الموت أبدا وآلافا من السنين ) إلى ما شاء اللّه ، ( ثم إنّا لا نفرح بمن ينبهنا عليها ولا نشتغل بإزالتها بل نشتغل بمقابلة الناصح بمثله فنقول : وأنت أيضا تصنع كيت وكيت وتشغلنا العداوة معه عن الانتفاع بنصحه ، ويشبه أن يكون هذا من قساوة القلب التي ثمرتها كثرة الذنوب ) وفي حديث أبي الخير اليزني : أربع خصال تفسد القلوب فساقه ، وفيه : « وكثرة الذنوب مفسدة للقلوب » أخرجه عبد بن حميد في تفسيره ، ( وأصل كل ذلك ضعف الإيمان . فنسأل اللّه تعالى أن يعرفنا رشدنا ويبصرنا بعيوب أنفسنا ويشغلنا بمداواتها ويوفقنا للقيام بشكر من يطلعنا على مساوئنا بمنه وفضله ) اللهم آمين . ( الطريقة الثالثة : أن يستفيد معرفة عيوب نفسه من ألسنة أعدائه ، فإن عين السخط