تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 651

مساهمون:

ص٦٥١
بعيوب أنفسهم يرى أحدهم القذى في عين أخيه ولا يرى الجذع في عين نفسه . فمن أراد أن يعرف عيوب نفسه فله أربعة طرق . الأول : أن يجلس بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس مطلع على خفايا الآفات ويحكمه في نفسه ويتبع إشارته في مجاهدته . وهذا شأن المريد مع شيخه والتلميذ مع أستاذه ، فيعرفه أستاذه وشيخه عيوب نفسه ويعرفه طريق علاجه . وهذا قد عزّ في هذا الزمان وجوده . والثاني : أن يطلب صديقا صدوقا بصيرا متدينا فينصبه رقيبا على نفسه ليلاحظ
شرح
والماء والشراب من نحو تراب وتبن ووسخ ( في عين أخيه ) المؤمن ، ( ولا يرى الجذع في عين نفسه ) . أخرج ابن المبارك في الزهد ، والعسكري في الأمثال من حديث أبي هريرة « يبصر أحدكم القذى في عين أخيه وينسى الجذع » أو قال « الجذل في عينيه » والجذع : بالكسر واحد جذوع النخل ، والجذل : بالكسر وبالفتح أصل الشجرة يقطع وقد يجعل العود جذلا . وقد رواه أيضا القضاعي في مسند الشهاب ، وأبو نعيم في الحلية دون قوله أو قال الجذل ، وهذا مثل ضرب لمن يرى الصغير من عيوب الناس ويعيرهم به ، وفيه من العيوب بالنسبة إليه كنسبة الجذع إلى القذاة ، وذلك من أقبح القبائح . وللّه در القائل :أرى كل انسان يرى عيب غيره * ويعمى عن العيب الذي هو فيه فلا خير فيمن لا يرى عيب نفسه * ويعمى عن العيب الذي بأخيه

( فمن أراد أن يقف على عيب نفسه ، فله أربع طرق )

( الأولى : أن يجلس بين يدي شيخ ) كامل في ذاته مهذب بآداب الشريعة ( بصير بعيوب النفس مطلع على خفايا الآفات ) كأنه ينظر إليها من وراء ستر خفي ( ويحكمه على نفسه ) أي يجعله حاكما على نفسه ونفسه محكوما عليها فيما يأمر به وينهاه ، ( ويتبع إشارته في مجاهدته ) فلا يخالفه فيما يشير له إليه ، ( وهذا شأن المريد مع شيخه والتلميذ مع أستاذه ) وهو علامة فلاحه ( فيعرفه شيخه وأستاذه عيب نفسه ) إما بالتصريح بأن يقول له عيبك كذا أو خلقك كذا ، وإما بالكناية باختلاف أحوال المريد ، ( ويعرفه طريق علاجه . فهذا قد عز في هذا الزمان وجوده ) وإن وجد شيخ على هذه الصفة لم يوجد من يرشده من المريدين الصادقين ، وإن وجد مريد صادق لم يوجد شيخ كامل بالأوصاف المذكورة فهذا سبب عزة الأمر . ( الطريقة الثانية : أن يطلب صديقا ) موافقا ( صدوقا ) في قوله ( بصيرا ) بعيوبه مطلعا على خفايا أحواله ( متدينا ) في نفسه ( وينصبه رقيبا على نفسه ) ناظرا على حركاته وسكناته