تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 648

مساهمون:

ص٦٤٨
الحرارة والبرودة . وكذلك المطلوب الاعتدال بين التبذير والتقتير حتى يكون على الوسط وفي غاية البعد عن الطرفين ، فإن أردت أن تعرف الوسط فانظر إلى الفعل الذي يوجبه الخلق المحذور ، فإن كان أسهل عليك وألذ من الذي يضاده فالغالب عليه ذلك الخلق الموجب له ، مثل أن يكون إمساك المال وجمعه ألذ عندك وأيسر عليك من بذله لمستحقه . فاعلم أن الغالب عليك خلق البخل فزد في المواظبة على البذل ، فإن صار البذل على غير المستحق ألذ عندك وأخف عليك من الإمساك بالحق فقد غلب عليك التبذير فارجع إلى المواظبة على الإمساك ، فلا تزال تراقب نفسك وتستدل على خلقك بتيسير الأفعال وتعسيرها حتى تنقطع علاقة قلبك عن الالتفات إلى المال فلا تميل إلى بذله ولا إلى إمساكه ، بل يصير عندك كالماء فلا تطلب فيه إلا إمساكه لحاجة محتاج أو بذله لحاجة محتاج ، ولا يترجح عندك البذل على الإمساك فكل قلب صار كذلك فقد أتى اللّه سليما عن هذا المقام خاصة . ويجب أن يكون سليما عن سائر الاخلاق حتى لا يكون له علاقة بشيء مما يتعلق بالدنيا ، حتى ترتحل النفس عن الدنيا منقطعة العلائق عنها غير
شرح
ضدان وإنما يعالج المرض بما يضاده ، ( حتى تغلب الحرارة وهو أيضا داء ، بل المطلوب الاعتدال بين الحرارة والبرودة ) بحيث لا يغلب أحدهما على الثاني . ( فكذلك المطلوب الاعتدال بين التقتير والتبذير حتى يكون على الوسط وفي غاية البعد من الطرفين ) . قال ابن الوردي :بين تبذير وبخل رتبة * وكلا هذين إن زاد قتل( فإن أردت أن تعرف الوسط فانظر إلى الفعل الذي يوجبه الخلق المحذور ، فإن كان أسهل عليك وألذ من الذي يضاده فالغالب عليك ذلك الخلق الموجب له مثل أن يكون إمساك المال وجمعه ألذ عندك وأيسر عليك من بذله لمستحقه ، فاعلم أن الغالب عليك خلق البخل ) وقد عرفته منك ، ( فزد في المواظبة على البذل ) والإنفاق ( فإن صار البذل للمستحق ألذ عندك وأخف عليك من الإمساك بحق ، فقد غلب عليك التبذير ) وهو أيضا خلق مذموم . قال اللّه تعالى :إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ[ الإسراء : 27 ] ( فارجع إلى المواظبة على الامساك ولا تزال تراقب نفسك وتستدل على خلقك بتيسر الأفعال وتعسرها ، حتى تنقطع علاقة قلبك عن المال فلا تميل إلى بذله ولا إلى إمساكه ، بل يصير عندك كالماء ) المعد للشرب وغيره ، ( فلا تطلب فيه إلا إمساكه لحاجة محتاج أو بذله لحاجة محتاج ولا يترجح عندك البذل على الإمساك ، فكل قلب صار كذلك فقد جاء اللّه سليما عن هذا المقام خاصة ) . يشير إلى قوله تعالى :إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ[ الشعراء : 89 ] ( ويجب أن يكون سليما عن سائر الأخلاق حتى لا تكون له علاقة بشيء مما يتعلق بالدنيا