القلب مما لا يعرفه صاحبه ، فلذلك يغفل عنه . وإن عرفه صعب عليه الصبر على مرارة دوائه فإن دواءه مخالفة الشهوات وهو نزع الروح . فإن وجد من نفسه قوّة الصبر عليه لم يجد طبيبا حاذقا يعالجه ، فإن الأطباء هم العلماء وقد استولى عليهم المرض ، فالطبيب المريض قلما يلتفت إلى علاجه . فلهذا صار الداء عضالا والمرض مزمنا واندرس هذا العلم ، وأنكر بالكلية طب القلوب وأنكر مرضها ، وأقبل الخلق على حب الدنيا ، وعلى أعمال ظاهرها عبادات وباطنها عادات ومراءاة فهذه علامات أصول الأمراض .
وأما علامات عودها إلى الصحة بعد المعالجة فهو أن ينظر في العلة التي يعالجها ، فإن كان يعالج داء البخل فهو المهلك المبعد عن اللّه عز وجل وإنما علاجه ببذل المال وانفاقه ، ولكنه قد يبذل المال إلى حد يصير به مبذرا فيكون التبذير أيضا داء ، فكان كمن يعالج البرودة بالحرارة حتى تغلب الحرارة فهو أيضا داء ، بل المطلوب الاعتدال بين
شرح
لا يعرفه صاحبه ) ولا يهتدي إليه ( ومرض القلب مما لا يعرفه صاحبه ) لأنه غير محسوس بالإبصار فمعرفة مرضه عسر ، ( فلذلك يغفل عنه وإن علمه صاحبه ) بضرب من التوفيق ( صعب عليه الصبر مرارة دوائه ، فإن دواءه مخالفة الشهوات وهو ) بمنزلة نزع ( الروح ) من الجسد ، ( وإن وجد من نفسه قوّة الصبر عليه لم يجد طبيبا حاذقا يعالجه ، فإن الأطباء هم العلماء . وقد استولى المرض عليهم والطبيب المريض قلما يلتفت إلى علاجه ) إذ يقال له :يا أيّها الرجل المعلم غيره * هلّا لنفسك كان ذا التعليموقالوا :ومن عجب الدنيا طبيب مصفر * وأعمش كحال وأعمى منجموفيهم قيل :عليل يداوي الناس وهو عليل( فلهذا صار الداء عضالا ) صعبا ( والمرض مزمنا ) راسخا ( واندرس هذا العلم مرة واحدة ، وأنكر بالكلية طب القلوب وأنكر مرضها ) واشتغلوا بإصلاح الظاهر ، ( وأقبل الخلق على حب الدنيا ) واقتنائها ، ( وعلى أعمال ظاهرها عبادات وباطنها عادات ومراءات . فهذه علامة أصل المرض ) .
( وأما علامة عوده إلى الصحة بعد المعالجة فهو أن ينظر في العلة التي يعالجها ، فإن كان يعالج داء البخل وهو المهلك المبعد عن اللّه تعالى ) كما ورد في الخبر : « وأي داء أدوأ من البخل » ( فإنما علاجه ببذل المال وإنفاقه ) في وجوهه ، ( ولكنه قد يبذل المال إلى حد يصير ) به ( مبذرا فيكون التبذير أيضا داء ، ويكون كن يعالج البرودة بالحرارة ) على أنهما