تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 644

مساهمون:

ص٦٤٤
كما حكي عن بعضهم أنه كان يعوّد نفسه الحلم ويزيل عن نفسه شدة الغضب ، فكان يستأجر من يشتمه من ملأ من الناس ويكلف نفسه الصبر ، ويكظم غيظه حتى صار الحلم عادة له بحيث كان يضرب به المثل . وبعضهم كان يستشعر في نفسه الجبن وضعف القلب ، فأراد أن يحصل لنفسه خلق الشجاعة فكان يركب البحر في الشتاء عند اضطراب الأمواج . وعباد الهند يعالجون الكسل عن العبادة بالقيام طول الليل على نصبة واحدة وبعض الشيوخ في ابتداء إرادته كان يكسل عن القيام فألزم نفسه القيام على رأسه طول الليل ليسمح بالقيام على الرجل عن طوع . وعالج بعضهم حب المال بأن باع جميع ماله ورمى به في البحر ؛ إذ خاف من تفرقته على الناس رعونة الجود والرياء بالبذل . فهذه الأمثلة تعرفك طريق معالجة القلوب . وليس غرضنا ذكر دواء كل مرض - فإن ذلك - سيأتي في بقية الكتب - وإنما غرضنا الآن التنبيه على أن الطريق الكلّي فيه سلوك مسالك المضادة لكل ما تهواه النفس وتميل إليه ، وقد جمع اللّه ذلك كله في كتابه
شرح
( فقد كان بعضهم يعود نفسه الحلم ويزيل عن نفسه شدة الغضب فكان يستأجر من يشتمه على ملا من الناس ) وبين يدي من يعظمه ، ( ويكلف نفسه الحلم والصبر ) على ذلك ، ( ويكظم غيظه حتى صار الحلم عادة له بحيث كان يضرب به المثل ) في الحلم . وقد ورد في الأخبار « إنما الحلم بالتحلم » . ( وكان بعضهم يستشعر في نفسه الجبن وضعف القلب وأراد أن يحصل لنفسه خلق الشجاعة ، فكان يركب البحر في الشتاء عند اضطراب الأمواج ) ليسكن روعه عن الاضطراب ويتعوّد عليه ، ( وعباد الهند ) من البراهمة والجوكية ( يعالجون الكسل عن العبادة بالقيام طول ليله على نصبة واحدة ) ، ومنهم من اختار أن يقف على رجل واحدة طول ليله ، ومنهم من يعوّد نفسه على حبس أنفاسه ساعات متعددة ، ( وبعض الشيوخ في ابتداء ارادته كان تكسل نفسه عن القيام ، فألزم نفسه القيام على رأسه طول الليل لتسمح بالقيام على الرجل عن طوع ) ، ولهم في ذلك مجاهدات غريبة تستغرب وقصدهم بذلك إماتة النفوس وتعويدها على الطاعات بانشراح وسماح ، ( وعالج بعضهم حب المال بأن باع جميع ماله ورماه في البحر إذ خاف من تفرقته على الناس رعونة الجود ورياء البذل ) ، وقد اعترض على المصنف في تقرير هذه الحكايات عنهم وتسليمها لهم بأن ذلك تضييع للمال ومخالف للشرع ، وقد أشرنا بجواب ذلك في مقدمة كتاب العلم فراجعه . ( فهذه الأمثلة تعلمك طريق معالجة القلوب ، فليس غرضنا ) هنا ( ذكر دواء كل مرض ) بالخصوص ، ( فإن ذلك سيأتي في بقية الكتب ) إن شاء اللّه تعالى ، ( وإنما الغرض الآن التنبيه على أن الطريق الكلي فيه سلوك مسلك المضادة لكل ما تهواه النفس وتميل