تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 636

مساهمون:

ص٦٣٦
يظهر فقه النفس شيئا فشيئا على التدريج - مثل نموّ البدن وارتفاع القامة - فكذلك الطاعة الواحدة لا يحس تأثيرها في تزكية النفس وتطهيرها في الحال ، ولكن لا ينبغي أن يستهان بقليل الطاعة فإن الجملة الكثيرة منها مؤثرة ، وإنما اجتمعت الجملة من الآحاد ، فلكل واحد منها تأثير ، فما من طاعة إلا ولها أثر وإن خفي ، فله ثواب لا محالة فإن الثواب بإزاء الأثر وكذلك المعصية . وكم من فقيه يستهين بتعطيل يوم وليلة وهكذا على التوالي يسوّف نفسه يوما فيوما إلى أن يخرج طبعه عن قبول الفقه . فكذا من يستهين صغائر المعاصي ويسوّف نفسه بالتوبة على التوالي إلى أن يختطفه الموت بغتة أو تتراكم ظلمة الذنوب على قلبه وتتعذر عليه التوبة ، إذ القليل يدعو إلى الكثير فيصير القلب مقيدا بسلاسل شهوات لا يمكن تخليصه من مخالبها . وهو المعنى بانسداد باب التوبة وهو المراد بقوله تعالى :
وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا
[ يس : 9 ]
شرح
واحدة ( لا يحس بأثرها في تفقيه النفس ) أي جعلها فقيهة ، ( بل يظهر فقه النفس شيئا فشيئا على التدرج ) والترتيب ( مثل نموّ البدن وارتفاع القامة ) فإنه لا يحس بهما إلا تدريجا ، ( فكذلك الطاعة الواحدة لا يحس بأثرها في تزكية النفس وتطهيرها في الحال ) وإنما يحس به فيما بعد ، ( ولكن لا ينبغي أن يستهان بقليل الطاعات فإن الجملة الكثيرة منها مؤثرة ، وإنما اجتمعت الجملة من الآحاد فلكل واحد تأثير ) وهكذا كل متعاط لفعل من الأفعال النفسية فإنه يتقوى فيه بحسب الازدياد منه إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، فباحتمال صغار الأمور يمكن احتمال كبارها وباحتمال كبارها يستحق الحمد ، ( فما من طاعة إلا ولها أثر ، وإن خفي فلها لا محالة ثواب لأن الثواب بإزاء الأثر ، وكذا المعصية . وكم من فقه يستهين بتعطيل يوم وليلة وهكذا على التوالي فيسوّف نفسه يوما يوما ) يقول : سوف أقرأ بعد يوم ثم يأتي عليه ذلك اليوم فيؤخره إلى يوم آخر فهذا هو التسويف ( إلى أن يخرج طبعه عن قبول الفقه ، فكذا من يستهين بصغائر المعاصي ويسوّف نفسه بالتوبة على التوالي يوما يوما إلى أن يختطفه الموت بغتة ) أي فجأة ( أو تتراكم ظلمة الذنوب على قلبه ) تراكم السحب على عين الشمس ( وتتعذر عليه التوبة إذ القليل يدعو إلى الكثير ) ويجره إليه ( ويصير القلب مقيدا بسلاسل الشهوات لا يمكن تخليصه من مخالبها وهو المعنى ) أي المقصود المشار إليه ( بانسداد باب التوبة ) لصعوبة انفتاحه جعل كأنه مسدود . وقيل لحكيم : ألا تعظ فلانا ؟ فقال : ذلك على قلبه قفل ضاع مفتاحه فلا سبيل إلى معالجة فتحه ، ( وهو المراد بقوله تعالى :وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّاالآية ) قرىء بفتح السين فيهما وبالضم ، وقيل : بالفتح ما كان من فعل الناس ، وبالضم ما كان بخلق اللّه . وقيل : بالفتح ما يسد البصر وبالضم ما يسد البصيرة . ويؤيده قوله بعد :فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَنبه عليه الخفاجي في تذكرته . ( ولذلك قال
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 636 | مرتضى الزبيدي