ولكل درجة في القرب والبعد بحسب ما تقتضيه صفته وحالته
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
[ الزلزلة : 7 ، 8 ]
وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
[ النحل : 33 ] .
بيان تفصيل الطريق إلى تهذيب الاخلاق :
قد عرفت من قبل ان الاعتدال في الأخلاق هو صحة النفس ، والميل عن الاعتدال سقم ومرض فيها . كما أن الاعتدال في مزاج البدن هو صحة له ، والميل عن الاعتدال مرض فيه فلنتخذ البدن مثالا . فنقول :
مثال النفس في علاجها بمحو الرذائل والأخلاق الرديئة عنها وجلب الفضائل والأخلاق الجميلة إليها ، مثال البدن في علاجه بمحو العلل عنه وكسب الصحة له وجلبها
شرح
الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْثم قال :أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها( وبين الرتبتين من اختلفت به هذه الجهات ) ولم تتظاهر عليه ، ( ولكل درجة في القرب والبعد بحسب ما تقتضيه صفته وحالهفَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ )أي يرى جزاءه إن خيرا فخيرا وإن شرا فشر (وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) ظلموا أنفسهم بالاعتياد على العادات القبيحة فرسخت فيها بمعاشرة قرناء السوء فأظلمت قلوبهم وعميت بصائرهم ، فصاروا أحقّاء بالبعد عن حضرة الحق ، ثم للإنسان مع كل فضيلة ورذيلة ثلاثة أحوال : إما أن يكون في ابتدائها فيقال : عو عبدها وابنها ولذا قال بعضهم : من لم يخدم العلم لم يرعه ، والثاني : أن يتوسطها فيقال : أخوها وصاحبها .
والثالث : أن ينتهي فيها بقدر وسعه ويتصرف فيها كما أراد فيقال : هو سيدها وربها . وغاية الفاضل في الفضيلة أن تقع منه الفضائل أبدا من غير فكر ولا روية لغلبة قواها عليه وبعد ما ينافيها منه وغاية الرذل في الرذيلة أن تقع منه الرذائل بغلبة قواها عليه ، ولهذا حدّ الخلق بأنه حال للإنسان داعية إلى الفعل من غير فكر ولا رواية ، واللّه الموفق .