والمعارف . فإذا كانت النفس بالعادة تستلذ الباطل وتميل إليه وإلى القبائح ، فكيف لا تستلذ الحق لو ردت إليه مدة والتزمت المواظبة عليه ؟ بل ميل النفس إلى هذه الأمور الشنيعة خارج عن الطبع يضاهي الميل إلى أكل الطين فقد يغلب على بعض الناس ذلك بالعادة ، فأما ميله إلى الحكمة وحب اللّه تعالى ومعرفته وعبادته فهو كالميل إلى الطعام والشراب فإنه مقتضى طبع القلب فإنه أمر رباني ، وميله إلى مقتضيات الشهوة غريب من ذاته وعارض على طبعه ، وإنما غذاء القلب الحكمة والمعرفة وحب اللّه عز وجل ولكن انصرف عن مقتضى طبعه لمرض قد حلّ به كما قد يحل المرض بالمعدة فلا تشتهي الطعام والشراب وهما سببان لحياتها ، فكل قلب مال إلى حب شيء سوى اللّه تعالى فلا ينفك عن مرض بقدر ميله ، إلا إذا كان أحب ذلك الشيء لكونه معينا له على حب اللّه تعالى وعلى دينه ، فعند ذلك لا يدل ذلك على المرض .
فإذا قد عرفت بهذا قطعا أن هذه الأخلاق الجميلة يمكن اكتسابها بالرياضة وهي تكلف الأفعال الصادرة عنها ابتداء لتصير طبعا انتهاء ، وهذا من عجيب العلاقة بين القلب والجوارح - أعني النفس والبدن - فإن كل صفة تظهر في القلب يفيض أثرها على
شرح
بالعادة تستلذ الباطل ) وتسطيبه وتميل إلى القبائح ، ( فكيف لا تستلذ الحق ) وتستطيبه ( لوردت إليه مدة والزمت المواظبة عليه ، بل ميل النفس إلى هذه الأمور الشنيعة ) الفاضحة ( خارج عن الطبع يضاهي الميل إلى أكل الطين ، فقد يغلب على بعض الناس ذلك بالعادة ) مع كمال ضرره للبدن ، ( فأما ميلها إلى الحكمة ) وعلومها ( وحب اللّه ومعرفته وعبادته فهو كالميل إلى الطعام والشراب ، فهو مقتضى طبع القلب فإنه أمر رباني وميله إلى مقتضيات الشهوات غريب من ذاته وعارض على طبعه ) بمقتضى العادة ، ( وإنما غذاء القلب الحكمة والمعرفة وحب اللّه تعالى ، ولكن انصرف عن مقتضى طبعه بمرض حل به ) منعه عن ذلك الغذاء ، ( كما قد يحل المرض بالمعدة فلا تشتهي الطعام والشراب ) بسقوط شهوتهما عنها ( وهما سبب حياتها ) وقوام بقائها . وفي نسخة : وهما سببان لحياته ( فكل قلب مال إلى حب شيء ) من أمور الدنيا ( سوى حب اللّه تعالى فلا ينفك عن مرض ) باطني ( بقدر ميله إلا إذا أحب ذلك الشيء لكونه معينا له على حب اللّه وعلى دينه فعند ذلك لا يدل ذلك على المرض ) فإنه حينئذ يكون من جملة أسباب الحب في اللّه .
( فإذا قد عرفت بهذا قطعا أن هذه الأخلاق الجميلة يمكن اكتسابها بالرياضة ) والمجاهدة ( وهي تكلف الأفعال الصادرة عنها ابتداء لتصير طبعا انتهاء ) أي في آخر الأمر ، ( وهذا من عجيب العلاقة بين القلب والجوارح أعني النفس والبدن ، فإن كل صفة