الجوارح حتى لا تتحرك إلا على وفقها لا محالة ، وكل فعل يجري على الجوارح فإنه قد يرتفع منه أثر إلى القلب ، والامر فيه دور ، ويعرف ذلك بمثال : وهو أن من أراد أن يصير الحذق في الكتابة له صفة نفسية - حتى يصير كاتبا بالطبع - فلا طريق له إلا أن يتعاطى بجارحة اليد ما يتعاطاه الكاتب الحاذق ويواظب عليه مدة طويلة يحاكي الخط الحسن ، فإن فعل الكاتب هو الخط الحسن فيتشبه بالكاتب تكلفا ، ثم لا يزال يواظب عليه حتى يصير صفة راسخة في نفسه ، فيصدر منه في الآخر الخط الحسن طبعا كما كان يصدر منه في الابتداء تكلفا ، فكان الخط الحسن هو الذي جعل خطه حسنا ، ولكن الأول بتكلف إلا أن ارتفع منه أثر إلى القلب ثم انخفض من القلب إلى الجارحة فصار يكتب الخط الحسن بالطبع .
وكذلك من أراد أن يصير فقيه النفس فلا طريق له إلا أن يتعاطى أفعال الفقهاء ، وهو التكرار للفقه حتى تنعطف منه على قلبه صفة الفقه فيصير فقيه النفس ، وكذلك من أراد أن يصير سخيا عفيف النفس حليما متواضعا فيلزمه أن يتعاطى أفعال هؤلاء تكلفا حتى يصير ذلك طبعا له ، فلا علاج له إلا ذلك ، وكما أن طالب فقه النفس لا ييأس من
شرح
تظهر في القلب يفيض أثرها على الجوارح حتى تتحرك لا محالة على وفقها ) أي على موافقة تلك الصفة ، ( وكل فعل يجري على الجوارح فإنه يرتفع منه أثر إلى القلب ) يتأثر به ويعرف منه ذلك ( والأمر فيه دور ويعرف ذلك بمثال ، وهو أن من أراد أن يصير الحذق في الكتابة له صفة نفسية حتى يصير كاتبا بالطبع فلا طريق له إلا أن يتعاطى بجارحة اليد ما يتعاطاه الكاتب الحاذق ويواظب عليه مدة طويلة وهو حكاية الخط الحسن ، فإن فعل الكاتب هو الخط الحسن فيتشبه بالكاتب تكلفا ثم لا يزال يواظب عليه ) بالإدمان والتدرب ( حتى يصير ذلك صفة راسخة في نفسه ) متمكنة ( فيصدر منه بالآخرة الخط الحسن طبعا كما كان يصدر في الابتداء تكلفا ) بمشقة ( فكان الخط الحسن هو الذي جعل خطه حسنا ، ولكن الأوّل متكلف إلا أنه ارتفع منه أثر إلى النفس ، ثم انخفض من النفس أثر إلى الجارحة فصار يكتب الخط الحسن طبعا ) فهذا مثال الدور الذي بين عمل القلب والجوارح ، ( وكذلك من أراد أن يصير فقيه النفس ) بمعرفة مالها وعليها ( فلا طريق له إلا أن يتعاطى أفعال الفقهاء وهو التكرار للفقه ) بالدراسة والمطالعة ( حتى تنعطف منه على قلبه صفة الفقه فيصير ) بذلك ( فقيه النفس ، فكذلك من أراد أن يصير سخيا عفيفا حليما متواضعا ، فيلزمه أن يتعاطى أفعال هؤلاء تكلفا ) أوّلا ( حتى يصير له ذلك بالعادة طبعا ولا علاج له إلا ذلك ) ، وقد ظهر بالسياق المتقدم أنه فرق بين الطبع والتطبع والصنع والتصنع والخلق والتخلق فالتفعل معه اشتغال ، ويحتاج إلى تنشيط من خارج والفعل معه استخفاف