تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 631

مساهمون:

ص٦٣١
أقوى وأرسخ ، وإنما مقصود العبادات تأثيرها في القلب ، وإنما يتأكد تأثيرها بكثرة المواظبة على العبادات . وغاية هذه الأخلاق أن ينقطع عن النفس حب الدنيا ويرسخ فيها حب اللّه تعالى فلا يكون شيء أحب إليه من لقاء اللّه تعالى عز وجل ، فلا يستعمل جميع ماله إلا على الوجه الذي يوصله إليه وغضبه وشهوته من المسخرات له فلا يستعملهما إلا على الوجه الذي يوصله إلى اللّه تعالى ، وذلك بأن يكون موزونا بميزان الشرع والعقل ، ثم يكون بعد ذلك فرحا مستلذا له ، ولا ينبغي أن يستبعد مصير الصلاة إلى حد تصير هي قرة العين . ومصير العبادات لذيذة فإن العادة تقتضي في النفس عجائب أغرب من ذلك ؛ فإنا قد نرى الملوك والمنعمين في أحزان دائمة ، ونرى المقامر المفلس قد يغلب عليه من الفرح واللذة بقماره وما هو فيه ما يستثقل معه فرح الناس بغير قمار ، مع أن القمار ربما سلبه ماله وخرب بيته وتركه مفلسا ومع ذلك فهو يحبه ويلتذ به ، وذلك لطول إلفه له وصرف نفسه إليه مدة . وكذلك اللاعب بالحمام قد يقف طول النهار في
شرح
( وإنما مقصود العبادات تأثيرها في القلب وإنما يتأكد آثارها بكثرة المواظبة على العبادات ) وكثرة المواظبة عليها تستدعي صحة البدن التي هي المقصود الأعظم من الحياة وصحة البدن عبارة عن اعتدال القوى الأربع التي هي الجاذبة والممسكة والهاضمة والدافعة في أجزاء البدن الأربعة ، وهي العظام والعصب واللحم والجلد ، فقد ظهر بذلك أن الفضائل الأخروية محتاجة إلى الفضائل النفسية ، كما أن الفضائل النفسية محتاجة إلى الفضائل البدنية . ( وغاية هذه الأخلاق ) وكمالها ( أن ينقلع عن النفس حب الدنيا ويرسخ فيها حب اللّه ) ، عز وجل ، ( فلا يكون شيء أحب إليه من اللّه ومن لقائه فلا يستعمل جميع ماله إلا على الوجه الذي يوصله إليه و ) يكون ( غضبه وشهوته من المسخرات له فلا يستعملها إلا على الوجه الذي يوصله إلى اللّه تعالى وذلك بأن يكون موزونا بميزان الشرع والعقل ، ثم يكون مع ذلك فرحا به ) ومبتهجا ( وملتذا ) ومستطيبا . ( ولا ينبغي أن يستبعد مصير الصلاة قرة عين ) الإنسان ( ومصير العبادات لذيذة ) له ، ( فإن العادة تقتضي في النفس عجائب أعجب من ذلك فإنا نرى الملوك والمتنعمين ) من أهل الرفاهية ( في أحزان دائمة ) متوالية ( ونرى المقامر ) الذي يلعب بالقمار ( المفلس ) الذي ليس عنده مال ( قد يغلب عليه من اللذة والفرح بقماره وما هو فيه ما يستنكر معه فرح الناس بغير القمار ) ويستعجب ( مع أن القمار ربما سلب ماله وخرب داره وتركه مفلسا ) لا شيء له ، ( ومع هذا فهو يحبه ويلتذ به ، وذلك لطول إلفه له ورده نفسه إليه مدة ) حتى صار ممتزجا بلحمه ودمه ، ولحبه له سبب آخر غير ألفته له هو كونه يسوّل له الشيطان طول أمانيه بأن يكون غالبا على رفيقه فيسلب ماله ويخرب داره فهو لم يزل كذلك ولم ينل من آماله شيئا . ولولا هذه الأمنية لما ردّ نفسه إليه بعد إفلاسه فطول الإلفة في خصوص القمار