تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 632

مساهمون:

ص٦٣٢
حر الشمس قائما على رجليه وهو لا يحس بألمها لفرحه بالطيور وحركاتها وطيرانها وتحليقها في جوّ السماء ، بل نرى الفاجر العيار يفتخر بما يلقاه من الضرب والقطع والصبر على السياط ، وعلى أن يتقدم به للصلب وهو مع ذلك متبجح بنفسه وبقوّته في الصبر على ذلك ، حتى يرى ذلك فخرا لنفسه ، ويقطع الواحد منهم إربا إربا على أن يقر بما تعاطاه أو تعاطاه غيره فيصرّ على الإنكار ولا يبالي بالعقوبات فرحا بما يعتقده كمالا وشجاعة ورجولية ، فقد صارت أحواله مع ما فيها من النكال قرة عينه وسبب افتخاره ، بل لا حالة أخس وأقبح من حال المخنث في تشبهه بالإناث في نتف الشعر وو شم الوجه ومخالطة النساء فترى المخنث في فرح بحاله وافتخار بكماله في تخنثه يتباهى به مع المخنثين ، حتى يجري بين الحجامين والكناسين التفاخر والمباهاة كما يجري بين الملوك والعلماء . فكل ذلك نتيجة العادة والمواظبة على نمط واحد على الدوام مدة مديدة ومشاهدة ذلك في المخالطين
شرح
سبب ناقص ، وأما كون أرباب النعم دائما في حزن فله أسباب كثيرة . إما لكبر هممهم ، وإما لكثرة وظائفهم المتعلقة بهم ، وإما خوف زوال تلك النعم عنهم ، أو خوف نقص بأيديهم فتتشوّش لذلك أذهانهم وتتشتت أفكارهم فتراهم لا يقرّ لهم قرار ، كلما زادت عليهم النعم زادوا شغلا وطالت أمانيه وكثرت مساعيه ودواعيه . ( وكذلك اللاعب بالحمام ) الذي يربى في البيوت ( قد يقف طول نهاره في حر الشمس قائما على رجليه وهو لا يحس بألمه لفرحه بالطيور وحركتها وطيرانها وتحليقها في جوّ السماء ) وغاية حظه أن يجلب به حمام غيره بأن يؤلفه إلى مأواه ويستجلب ما ليس له ، ( بل ترى الفاجر العيار ) الشاطر الذي يختلس أموال الناس بلطف حيلة ومكر ( يفتخر بما يلقاه من الضرب والقطع والصبر على ) ضرب ( السياط وعلى تقديمه إلى الصلب والشنق ، وهو مع ذلك متبجح بنفسه وبقوته في الصبر على ذلك ) فإنه ( يرى ذلك فخرا لنفسه حتى يقطع الواحد منهم آرابا ) أي أعضاء ( على أن يقر بما تعاطاه أو تعاطاه غيره بعلم منه فيصبر على الإنكار ولا يبالي بالعقوبات ) النازلة عليه ( فرحا بما يعتقده كمالا وشجاعة ورجولية ، فقد صارت أحواله مع ما فيها من النكال ) والعذاب ( قرة عينه وسبب افتخاره ) بين أقرانه حتى يشار إليه بالبنان ، ( بل لا حالة أخس وأقبح من حالة المخنث ) بكسر النون المشددة وقيل بفتحها ( في تشبهه بالإناث في نتف الشعر ) عن وجهه ( وو شم الوجه ) أي تزيينه بالوشم ، ( ومخالطة النساء ) والتشبه بكلامهن ، ( وترى المخنث في فرح بحاله وافتخار بكماله في تخنثه يتباهى به مع المخنثين حتى يجري بين الحجامين والكناسين ) والزبالين ( التفاخر والمباهاة كما تجري بين الملوك والعلماء ) وغيرهم ، ( ولكل ذلك نتيجة العادة والمواظبة على نمط واحد على الدوام مدة مديدة ومشاهدة ذلك من المخالطين والمعارف ، فإذا كانت النفس
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 632 | مرتضى الزبيدي