يبذله دون الذي يبذله عن كراهة ، والمتواضع هو الذي يستلذ التواضع ولن ترسخ الأخلاق الدينية في النفس ، ما لم تتعوّد النفس جميع العادات الحسنة وما لم تترك جميع الأفعال السيئة ، وما لم تواظب عليها مواظبة من يشتاق إلى الأفعال الجميلة ويتنعم بها ويكره الأفعال القبيحة ويتألم بها ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « وجعلت قرة عيني في الصلاة » . ومهما كانت العبادات وترك المحظورات مع كراهة واستثقال فهو النقصان ولا ينال كمال السعادة به . نعم المواظبة عليها بالمجاهدة خير ، ولكن بالإضافة إلى تركها لا بالإضافة إلى فعلها عن طوع ولذلك قال اللّه تعالى :
وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ
[ البقرة :
45 ] وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « اعبد اللّه في الرضا فإن لم تستطع ففي الصبر على ما تكره خير كثير »
شرح
والمتواضع هو الذي يستلذ التواضع ولن تترسخ الأخلاق الدينية في النفس ) ترسخا كاملا ( ما لم يتعوّد جميع العادات الحسنة ، وما لم يترك جميع العادات السيئة وما لم يواظب عليها مواظبة من يشتاق معها إلى الأفعال الجميلة ويتنعم بها ويكره الأفعال القبيحة ويتألم بها ) . قد تقدم أن الإنسان يكمل في الفضيلة بأربع درجات : اثنتين في الاعتقاد ، واثنتين في الفعل . فاللتان في الفعل هما أن يترك العادات السيئة فيجعلها بحيث يبغضها فيتجنب الرذيلة ويتوصل إلى الفضيلة ، وإن يتعوّد العادات الحسنة فيجعلها بحيث يؤثرها ويتنعم بها ، ( كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم ) حبب إليّ النساء والطيب ، ( « وجعلت قرة عيني في الصلاة » ) . هكذا رواه الطبراني في الأوسط وفي الصغير من حديث أنس ، ورواه الخطيب في التاريخ مقتصرا على الجملة الأخيرة وهو عند النسائي بهذا اللفظ وبلفظ « وجعل » وقد رواه كذلك أحمد وأبو يعلى وأبو عوانة والبيهقي كما تقدم ذلك مفصلا . ( ومهما كانت العبادات وترك المحظورات مع كراهة واستثقال فهو النقصان ولا ينال كمال السعادة به ) ، وبيان ذلك أن كل فعل فمحتاج إلى إيجاده وتجويده وترتيبه دنيويا كان أو أخرويا ، لكن متى كان أخرويا يحتاج فيه مع ذلك إلى أمور لا يتم ولا يكمل إلا بها ، وهو أنه يجب أن يتعاطاها قصدا إلى المكرمة ، وأن يتحراه بخلوص الطوية وأن يقصد به جلب منفعة دنيوية أو دفع مضرة ، فإنه يكون بفعله ذلك تاجرا ويجب عند بعض المحققين أن لا يطلب منفعة أخروية أيضا فقد قيل : من عبد اللّه بعوض فهو لئيم ، ومن فعل ذلك بانشراح صدر فهو أولى ممن يفعله بمجاهدة نفس واستكراه . ( نعم المواظبة عليه بالمجاهدة خير ، ولكن بالإضافة إلى تركه لا بالإضافة إلى فعله عن طوع ) وانشراح صدر ، ( ولذا قال تعالى )وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِأي بالصوم الذي هو صبر عن المفطرات لما فيه من كسر الشهوة وتصفية النفس ، وبالصلاة فإنها جامعة لأنواع العبادات النفسانية والبدنية ( وأنها ) أي الاستعانة بهما أو الصلاة وتخصيصها برد الضمير إليها تعظما لشأنها ( لكبيرة ) أي لثقيلة شاقة ( الّا على الخاشعين ) أي المخبتين ، وإنما لم تثقل عليهم ثقلها على غيرهم ، فإن نفوسهم مرتاضة مرتضاة بأمثالها متوقعة في مقابلتها ما يستحقر لأجله مشاقها وتستلذ بسببه متاعبها . ( وقال صلّى اللّه عليه وسلّم