والفطرة ما قد ينال بالاكتساب فرب صبي خلق صادق اللهجة سخيا جريئا ، وربما يخلق بخلافه فيحصل ذلك فيه بالاعتياد ومخالطة المتخلقين بهذه الأخلاق ، وربما يحصل بالتعلم .
والوجه الثاني : اكتساب هذه الأخلاق بالمجاهدة والرياضة وأعني به حمل النفس على الأعمال التي يقتضيها الخلق المطلوب . فمن أراد مثلا أن يحصل لنفسه خلق الجود فطريقه أن يتكلف تعاطي فعل الجواد وهو بذل المال ، فلا يزال يطالب نفسه ويواظب عليه تكلفا مجاهدا نفسه فيه حتى يصير ذلك طبعا له ويتيسر عليه فيصير به جوادا ، وكذلك من أراد أن يحصل لنفسه خلق التواضع وقد غلب عليه الكبر فطريقه أن يواظب على أفعال المتواضعين مدة مديدة وهو فيها مجاهد نفسه ومتكلف إلى أن يصير ذلك خلقا له وطبعا فيتيسر عليه . وجميع الأخلاق المحمودة شرعا تحصل بهذا الطريق ، وغايته أن يصير الفعل الصادر منه لذيذا فالسخي هو الذي يستلذ بذل المال الذي
شرح
والفطرة ما قد ينال بالاكتساب فرب صبي يخلق صادق اللهجة وسخيا جريئا ) أي شجاعا ( وربما يخلق بخلافه فيحصل ذلك فيه بالتعوّد ) والتدرب ، ( ومخالطة المتخلقين بهذه الأخلاق ، وربما يحصل بالتعلم ) وبالعادة فمن صار فاضلا طبعا وعادة وتعلما فهو كامل الفضيلة ، ومن كان رذلا شكثا بثلاثتها فهو كامل الرذيلة ، وما كان بالتعلم فيحتاج فيه إلى زمان وتدرب وممارسة ويتقوّى الإنسان فيه درجة فدرجة ، وذلك بحسب اختلاف الطباع في الذكاء والبلادة .
( والوجه الثاني لاكتساب هذه الاخلاق المجاهدة والرياضه وأعني بها حمل النفس على الاعمال التي يقبضها الفعل المطلوب ) أي حق الإنسان في كل فضيلة أن يكتسبها خلقا ويجعل نفسه ذات هيئة مستعدة لذلك سواء أمكنه أن يبرز ذلك فعلا أم لم يمكنه ، ( فمن أراد مثلا أن يحصل لنفسه خلق الجود فطريقه أن يتكلف تعاطي فعل الجواد وهو بذل المال ) وإن لم يكن ذا مال ، ( فلا يزال يواظب عليه مكلفا مجاهدا لنفسه فيه حتى يصير ذلك طبعا ويتيسر عليه فيصير نفسه جوادا ) وقد قيل لبعض الحكماء هل من جود يعم به الورى ؟ قال : نعم أن تحسن خلقك وتنوي الخير لكل واحد وسبق حديث « إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم باخلاقكم » . وكذا من أراد أن يحصل لنفسه خلق الشجاعة والحكمة والعدل ، فليكن على هيئة الشجعان والحكماء والعدول ، وإن لم يعرض له مقام تظهر فيه نجدته ولا معاملة بينه وبين غيره تبرز فيه عدالته ، ( وكذا من أراد أن يحصل لنفسه خلق التواضع وغلب عليه التكبر فطريقه أن يواظب على أفعال المتواضعين مدة مديدة وهو فيها يجاهد نفسه ) وهواه ومتكلف إلى أن يصير ذلك خلقا وطبعا فيتيسر عليه ويسهل ، ( وجميع الأخلاق المحمودة شرعا تحصل بهذا الطريق وغايتها ) وكمالها ( أن يصير الفعل الصادر منه لذيذا ) ويستطيبه وإن كان ثقيلا ، ( فالسخي هو الذي يستلذ بذل المال ) على وجوهه ( دون الذي يبذله عن كراهة نفس