تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 623

مساهمون:

ص٦٢٣
ما دام حيا فلا تنقطع عنه الشهوة والغضب وحب الدنيا وسائر هذه الأخلاق ، فهذا غلط وقع لطائفة ظنوا أن المقصود من المجاهدة قمع هذه الصفات بالكلية ومحوها . وهيهات ! فإن الشهوة خلقت لفائدة وهي ضرورية في الجبلة ، فلو انقطعت شهوة الطعام لهلك الإنسان ولو انقطعت شهوة الوقاع لانقطع النسل ، ولو انعدم الغضب بالكلية لم يدفع الانسان عن نفسه ما يهلكه ولهلك ، ومهما بقي أصل الشهوة فيبقى لا محالة حب المال الذي يوصله إلى الشهوة حتى يحمله ذلك على إمساك المال . وليس المطلوب إماطة ذلك بالكلية بل المطلوب ردها إلى الاعتدال الذي هو وسط بين الافراط والتفريط ،
شرح
( وأما الخيال الآخر وهو أن الآدمي ما دام حيا فلا ينقلع عنه الغضب والشهوة وحب الدنيا وسائر هذه الأخلاق ، فهذا غلط ) منشؤه التخيل الفاسد ، وقد ( وقع ) ذلك ( لطائفة ) من المتسمين بالعلم ( ظنوا أن المقصود من المجاهدة ) النفسية ( قمع هذه الصفات بالكلية ومحوها ) ، وإن الإنسان لا يصير خارجا عن جملة البهائم وأسر الهوى إلا باماتتها وإلا ضرته وغرته وصرفته من طريق الخير وهذا لا بأس به ، ( و ) لكن ( هيهات ! فإن الشهوة خلقت لفائدة وهي ضرورية في الجبلة ) ولحكمة اقتضت أن يبلى بها الإنسان ، ( ولو انقطعت شهوة الطعام لهلك الإنسان ) بيان ذلك الشهوة لو تصورت مرتفعة لم يمكن الوصول إلى الآخرة ، وذلك ان الوصول إلى الآخرة بالعبادة ولا سبيل إلى العبادة إلا بالحياة الدنيوية ولا سبيل إلى الحياة الدنيوية إلا بحفظ البدن ولا سبيل إلى حفظه إلا بإعادة ما يتحلل منه ، ولا يمكن إعادة ذلك إلا بتناول الأغذية ولا يمكن تناول الأغذية إلا بالشهوة فإذا الشهوة محتاج إليها مرغوب فيها وتقتضي الحكمة الإلهية بايجادها وتزيينها كما قال تعالى :زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَالآية [ آل عمران : 14 ] ثم من تناول الأغذية بالشهوة تصدر شهوة الوقاع ، ( ولو انقطعت شهوة الوقاع لانقطع النسل ) ولا يمكن الوقاع بلا شهوة ، فإذا الشهوة مرغوب فيها لأجل ذلك أيضا . ( ولو انعدم الغضب بالكلية لم يدفع الإنسان عن نفسه ما يهلكه ) ويستبيح حريمه ، لكن مثلها كمثل عدوّ تخشى مضرته من وجه وترجى منفعته من وجه ، ومع عداوته لا يستغني عن الاستعانة به ، فحق العاقل أن يأخذ نفعه ولا يسكن إليه ولا يعتمد عليه بقدر ما ينتفع به ، وما أصدق في ذلك قول المتنبي إذا تصور في وصف الشهوة وإن قصدها فما أجود ما أرادها :ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى * عدوا له ما من صداقته بدّوأيضا فهذه الشهوة هي المشوقة لجميع الناس من لذات الجنة ، إذ ليس كل الناس يعرف اللذات المعقولة ، ولو توهمناها مرتفعة لما تشوقوا إلى ما وعدوا به من قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » . ( ومهما بقي أصل الشهوة فيبقى لا محالة حب المال الذي يوصله إلى الشهوة حتى يحمل ذلك على إمساك المال ، وليس المطلوب إماطة ذلك بالكلية بل المطلوب ردها إلى ) مرتبة ( الاعتدال الذي هو وسط بين الإفراط