الغضب والشهوة لو أردنا قمعهما وقهرهما بالكلية حتى لا يبقى لهما أثر لم نقدر عليه أصلا ولو أردنا سلاستهما وقودهما بالرياضة والمجاهدة قدرنا عليه . وقد أمرنا بذلك وصار ذلك سبب نجاتنا ووصولنا إلى اللّه تعالى . نعم الجبلات مختلفة بعضها سريعة القبول وبعضها بطيئة القبول ولاختلافها سببان :
أحدهما : قوّة الغريزة في أصل الجبلة وامتداد مدة الوجود ، فإن قوة الشهوة والغضب والتكبر موجودة في الإنسان ، ولكن أصعبها أمرا وأعصاها على التغيير قوّة الشهوة ، فإنها أقدم وجودا إذ الصبي في مبدأ الفطرة تخلق له الشهوة ، ثم بعد سبع سنين ربما يخلق الغضب ، وبعد ذلك يخلق له قوّة التمييز .
والسبب الثاني : أن الخلق قد يتأكد بكثرة العمل بمقتضاه والطاعة له ، وباعتقاد كونه حسنا ومرضيا . والناس فيه على أربع مراتب .
شرح
الأحوال دون بعض ، فكذلك ) خلق الإنسان يجري هذا المجرى في أنه لا سبيل للإنسان إلى تغيير القوة التي هي السجية وجعل له سبيلا إلى إسلاسها . ألا ترى ( الغضب والشهوة لو أردنا قمعهما وقهرهما بالكلية حتى لا يبقى لهما أثر لم نقدر عليه أصلا ، ولو أردنا إسلاسهما وقودهما بالرياضة والمجاهدة قدرنا عليه ، وقد أمرنا بذلك ) ووعدنا بالأجر عليه ، ( وصار ذلك سبب نجاتنا ووصولنا إلى اللّه تعالى ) ولهذا قال تعالى :قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها[ الشمس : 9 ، 10 ] ( نعم الجبلات مختلفة فبعضها سريعة القبول وبعضها بطيئة القبول ) وبعضها في الوسط وكل لا ينفك من أثر قبول ، وإن قل ، قال الراغب : وأرى أن من منع من تغيير الخلق ، فإنه اعتبر القوة نفسها وهذا صحيح ، فإن النوى محال أن ينبت منه الإنسان تفاحا . ومن أجاز تغييره فإنه اعتبر إخراج ما في القوة إلى الوجود وإفساده بإهماله نحو النوى ، فإنه يمكن أن يتفقد فيجعل نخلا وإن يترك مهملا حتى يعفن وهذا صحيح أيضا ، فاختلافهما بسبب اختلاف نظرهما واللّه أعلم .
ثم ذكر المصنف أسباب اختلاف الجبلات فقال : ( ولاختلافها سببان ) .
( أحدهما : قوة الغريزة في أصل الجبلة وامتداد مدة الوجود فإن قوة الشهوة والغضب والتفكر موجودة في الإنسان ولكن أصعبها أمرا وأعصاها على التغيير قوة الشهوة فإنها أقدم القوى ) الشهوية ( وجودا ) في الإنسان وأشدها به تشبثا وأكثرها منه تمكنا ، ( إذ الصبي في مبدأ الفطرة تخلق له الشهوة ) وتولد معه بل ، وفي الحيوان الذي هو جنسه بل في النبات الذي هو جنس جنسه ، ( ثم بعد سبع سنين ربما يخلق له الغضب ) أي قوته ( وبعد ذلك ) آخرا ( تخلق له قوة ) الفكر والنطق و ( التمييز ) .
( والسبب الثاني : أن الخلق قد يتأكد بكثرة العمل بمقتضاه والطاعة له ) والانقياد إليه ( وباعتقاد كونه حسنا ومرضيا ، والناس فيه على أربع مراتب ) .