وتربى عليها . فهذا تكاد تمتنع معالجته ولا يرجى صلاحه إلا على الندور ، وذلك لتضاعف أسباب الضلال .
والرابعة : أن يكون مع النشوء على الرأي الفاسد وتربيته على العمل به يرى الفضيلة في كثرة الشر واستهلال النفوس ويباهي به ويظن أن ذلك يرفع قدره وهذا هو أصعب المراتب . وفي مثله قيل : ومن العناء رياضة الهرم ومن التعذيب تهذيب الذيب . والأول من هؤلاء جاهل فقط ، والثاني جاهل وضال ، والثالث : جاهل وضال وفاسق ، والرابع :
جاهل وضال وفاسق وشرير . وأما الخيال الآخر الذي استدلوا به وهو قولهم : إن الآدمي
شرح
وتربى على ذلك ) ولم يدخل عليها ما يخالفه إلى أن كبر عليه ورسخ اعتقاده ذلك في نفسه رسوخا تاما ( فهذا تكاد تمتنع معالجته ) ويعسر برؤه ( ولا يرجى صلاحه إلا على الندور ) والقلة ، ( وذلك لتضاعف أسباب الضلال ) ، وهؤلاء كأهل البدع والضلالات من المعتزلة والروافض ، فإنهم استحسنوا ما تلقفوه من آبائهم وشيوخهم تقرير الاعتقادات الفاسدة فرسخت في قلوبهم من حين نشئهم إلى أن كبروا عليها فلو تليت عليهم أساطير الأولين ببراهين واضحة لم تكد طباعهم تميل إلى سماعها ، وقد استحوذ الشيطان عليهم وحسن لهم ما اعتقدوه فلم ينجع فيهم طريق الإرشاد وأبطأت غرائزهم عن القبول .
( المرتبة الرابعة : أن يكون مع وقوع نشئه على الرأي الفاسد وتربيته على العمل به يرى الفضيلة في كثرة الشر واستهلاك النفوس ويتباهى به ) بين أقرانه ( ويظن أن ذلك يرفع من قدره ) ويعلي من شأنه ، ( وهذا هو أصعب المراتب ) الأربعة ( وفي مثله قيل : من التعذيب تهذيب الذيب ) إذ هو مجبول على الشر والفساد ، فتهذيب أخلاقه بالأصلاح تعذيب نفس وتضييع وقت بلا فائدة وقالوا في ذلك :إذا كان الطباع طباع سوء * فليس بنافع فيه الأديب( والأول من هؤلاء جاهل فقط ، والثاني جاهل وضال فقط ) وهما يرشدان سواء كان المرشد شيخا أو باعثا من نفسه ، ( والثالث : جاهل وضال وفاسق ، والرابع : جاهل وضال وفاسق وشرير ) وهما لا يقبلان الإرشاد ، واعلم أن كمال الإنسان في الفضيلة بأربع درجات :
اثنتين في الاعتقاد وهما أن يعتقد من براهين واضحة وأدلة قاطعة لا عن شبهات واهية واقناعات متداعية ، واثنتين في الفعل وهما أن يترك العادات السيئة فيجعلها بحيث يبغضها فبتجنب الرذيلة يتوصل إلى الفضيلة وأن يتعود العادات الحسنة فيجعلها بحيث يؤثرها ويتنعم بها ، وكما أنه يكمل بأربع درجات فإنه ينتكس بأربع درجات : درجتين في الاعتقاد وهما أن لا يعتقد من العلوم الحقية فيبقى منها غفلا وأن يعتقد عن تقليد اعتقادا فاسدا فيتلطخ به ، ودرجتين في العمل وهما أن لا يتعود العادة الجملية رأسا وأن يتعود العادة القبيحة .