قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « حسنوا أخلاقكم » . وكيف ينكر هذا في حق الآدمي وتغيير خلق البهيمة ممكن إذ ينقل البازي من الاستيحاش إلى الانس ، والكلب من شره الأكل إلى التأدب والإمساك والتخلية ، والفرس من الجماح إلى السلاسة والانقياد ، وكل ذلك تغيير للأخلاق .
والقول الكاشف للغطاء عن ذلك أن نقول : الموجودات منقسمة إلى ما لا مدخل للآدمي واختياره في أصله وتفصيله كالسماء والكواكب ، بل أعضاء البدن داخلا وخارجا وسائر أجزاء الحيوانات . وبالجملة كل ما هو حاصل كامل وقع الفراغ من وجوده وكماله وإلى ما وجد وجودا ناقصا وجعل فيه قوّة لقبول الكمال بعد أن وجد شرطه . وشرطه قد يرتبط باختيار العبد ، فإن النواة ليست بتفاح ولا نخل إلا أنها خلقت خلقة يمكن أن تصير نخلة إذا انضاف التربية إليها ولا تصير تفاحا أصلا ولا بالتربية .
فإذا صارت النواة متأثرة بالاختيار حتى تقبل بعض الأحوال دون بعض ، فكذلك
شرح
لم فعلت ولم تركت ، ( و ) لو لم يكن كذلك ( لما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « حسنوا أخلاقكم » ) فلو لم يمكن لما أمر بتحسين الأخلاق . قال العراقي : رواه أبو بكر بن لآل في مكارم الأخلاق من حديث معاذ » يا معاذ حسن خلقك للناس » منقطع ورجاله ثقات اه .
قلت وروى أحمد من حديثه : « يا معاذ اتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن » وقد تقدم قريبا ( وكيف ينكر هذا في حق الآدمي ) أم كيف يمتنع ، ( وتغيير خلق البهيمة ممكن ) مشاهد ( إذ ينقل الصيد ) كالأسد والفهد والنمر والذئب ( من التوحش إلى الأنس ) بالعادة ( والكلب من الأكل إلى التأدب والإمساك ) بالتعليم ، ( والفرس من الجماح إلى السلاسة ) بالترويض ، ( وكل ذلك تغيير للأخلاق ) بلا شك .
( والقول الكاشف للغطاء عن ذلك أن نقول : الموجودات منقسمة إلى ما لا مدخل للآدمي واختياره في أصله وتفصيله كالسماء والأرض والكواكب ، بل أعضاء البدن داخلا وخارجا وسائر أجزاء الحيوانات . وبالجملة : كل ما هو حاصل كامل وقع الفراغ من وجوده وكماله ، وإلى ما وجد وجودا ناقصا وجعل فيه قوة قبول الكمال بعده إن وجد شرطه وشرطه قد يرتبط باختيار العبد ) وحاصل هذه العبارة إن اللّه تعالى خلق الأشياء على ضربين : أحدهما : بالفعل ولم يجعل للعبد فيه عملا كالسماء والأرض ، والثاني : خلقه خلقة ما وجعل فيه قوة ورشح الإنسان لإكماله وتغيير حاله وإن لم يرشحه لتغيير ذاته كالنواة التي فيها قوة النخل ، ( فإن النواة ليس بتفاح ولا نخل أنها خلقت خلقة يمكن أن تصير ) بعون اللّه تعالى ( نخلا إن انضاف إليها التربية ) ويمكن أن يفسدها إفسادا ( ولا تصير تفاحا أصلا ولا بالتربية ) لأنه ليس فيها قوة التفاح ، ( فإذا صارت النواة متأثرة بالاختيار حتى تقبل بعض