دخلته ، فزعم أن الاخلاق لا يتصوّر تغييرها فإن الطباع لا تتغير ، واستدل فيه بأمرين :
أحدهما : أن الخلق هو صورة الباطن كما أن الخلق هو صورة الظاهر ، فالخلقة الظاهرة لا يقدر على تغييرها فالقصير لا يقدر أن يجعل نفسه طويلا ولا الطويل يقدر أن يجعل نفسه قصيرا ولا القبيح يقدر على تحسين صورته ، فكذلك القبح الباطن يجري هذا المجرى .
والثاني : أنهم قالوا : حسن الخلق بقمع الشهوة والغضب . وقد جربنا ذلك بطول المجاهدة وعرفنا أن ذلك من مقتضى المزاج ، والطبع فإنه قط لا ينقطع عن الآدمي فاشتغاله به تضييع زمان بغير فائدة ، فإن المطلوب هو قطع التفات القلب إلى الحظوظ العاجلة وذلك محال وجوده .
فنقول : لو كانت الاخلاق لا تقبل التغيير لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديبات ولما
شرح
وخبث دخلته ) بكسر الدال أي باطن أمره ، ( فزعم فيما قرره أن الأخلاق لا يتصور تغيرها ) عما جبل عليها إن خيرا وإن شرا ( وإن الطباع ) غرائز ( لا تتغير واستدل فيه بأمرين ) :
( أحدهما : أن الخلق ) بالضم ( هو صورة الباطن كما أن الخلق ) بالفتح هو ( صورة الظاهر ، والخلقة الظاهرة لا يقدر على تغييرها ) عما هي عليه ، ( فالطويل لا يمكنه أن يجعل نفسه قصيرا ولا القصير يقدر على أن يجعل نفسه طويلا ، ولا القبيح ) الصورة ( يقدر على تحسين صورته وكذلك القبيح الباطن يجري هذا المجرى ) وربما تعلقوا بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « من آتاه اللّه وجها حسنا وخلقا حسنا فليشكر اللّه تعالى » نقله الراغب في الذريعة والذي عند البيهقي وابن عساكر من حديث ابن عباس : « من آتاه اللّه وجها حسنا واسما حسنا وجعله في موضع غير شأن له فهو من صفوة اللّه من خلقه » . وبما رواه الطبراني في الأوسط من حديث ابن مسعود : « فرغ إلى ابن آدم من أربع الخلق والخلق والرزق والأجل » ورواه أيضا ابن عساكر من حديث أنس بلفظ :
« فرغ اللّه من أربع » قالوا ومحال أن يقدر المخلوق على تغيير فعل الخالق ، وربما تعلقوا بقول الشاعر :وما هذه الأخلاق إلا غرائز * فمنهن محمود ومنها مذمم
ولن يستطيع الدهر تغيير خلقه * بنصح ولا يستطيعه متكرم( والثاني : أنهم قالوا : حسن الخلق بقمع الغضب والشهوة ، وقد جربنا ذلك بطول المجاهدة وعرفنا أن ذلك من مقتضى المزاج والطبع وأنه قد لا ينقلع الآدمي ) بحال ، ( فاشتغاله به تضييع زمان بغير فائدة فإن المطلوب هو قطع التفات القلب إلى الحظوظ العاجلة ) واللذات الحاضرة ، ( وذلك محال وجوده ) .
( فنقول ) لهذا الزاعم ( لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير ) كما تقول ( لبطل ) فائدة ( الوصايا والمواعظ والتأديبات ) والوعد والوعيد والأمر والنهي ، ولما جوّز العقل أن يقال للعبد