فأمهات محاسن الأخلاق هذه الفضائل الأربعة : وهي الحكمة ، والشجاعة ، والعفة والعدل ، والباقي فروعها .
ولم يبلغ كمال الاعتدال في هذه الأربع إلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والناس بعده متفاوتون في القرب والبعد منه ، فكل من قرب منه في هذه الأخلاق فهو قريب من اللّه تعالى بقدر قربه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكل من جمع كمال هذه الأخلاق استحق ان يكون بين الخلق ملكا مطاعا يرجع الخلق كلهم إليه ويقتدون به في جميع الأفعال . ومن انفك عن هذه الأخلاق كلها واتصف باضدادها استحق أن يخرج من بين البلاد والعباد فإنه قد قرب من الشيطان اللعين المبعد ، فينبغي أن يبعد كما أن الأوّل قريب من الملك المقرب فينبغي أن يقتدي به ويتقرب إليه ، فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يبعث إلا ليتمم مكارم الأخلاق ، كما قال .
شرح
في السمع يصدر الأصغاء إلى المسموعات القبيحة وهما وعفة الجوارح كلها أن لا يطلقها صاحبها في شيء مما يختص كل واحد منها إلا فيما سوغ فيه العقل والشرع دون الشهوة والهوى ولم يذكر العدالة ، وهي من الأمهات ، وقد تقدم أنه ليست ثمرة زيادة ونقصان ، ولكنها إذا تقوت تولد الرحمة والرحمة من الاشفاق ومن أن يفوت ذا حق حقه فهي تولد الحلم والحلم يقتضي العفو .
( فأمهات محاسن الأخلاق هذه الفضائل الأربعة ) النفسية ( وهي الحكمة والشجاعة والعفة والعدل ، والباقي ) مما يذكر منها ( فروعها ) التي تتفرع عنها ، وتتفرع أيضا من الفروع فروع أخرى ، وكلها داخلة تحت المحمدة ، ( ولم يبلغ كمال الاعتدال في هذه الأربع إلا ) سيدنا ( رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ) فقد كان صلّى اللّه عليه وسلّم أحكم الناس وأعقلهم وأشجعهم وأعفهم وأعدلهم ، كما ثبت ذلك كله في الأخبار الصحيحة الماضية في كتاب أخلاق النبوة ، ( والناس بعده متفاوتون في القرب والبعد منه ، فكل من قرب في هذه الأخلاق فهو قريب من اللّه تعالى بقدر قربه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ) لأن القريب من القريب قريب ، ( وكل من جمع كمال هذه الأخلاق استحق أن يكون بين الخلق ملكا مطاعا يرجع الخلق كلهم إليه ويقتدون به في جميع الأفعال ) والأقوال والأحوال ، ( ومن انفك عن جملة هذه الأخلاق كلها ، واتصف باضدادها استحق أن يخرج من بين العباد والبلاد ، فإنه قد قرب من الشيطان اللعين المبعد ) عن الحضرة الإلهية ، ( فينبغي أن يبعد ) من وصفه هذا ( كما أن الأول قرب من الملك المقرب ) والقرب من الملك هو الاتصاف أوصافه الخاصة به ، ( فينبغي أن يقتدي به ويتقرب إليه ولم يبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلا ليتمم محاسن الأخلاق كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم ) فيما رواه مالك في الموطأ بلاغا « إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » . وقد روي موصولا من حديث أبي هريرة بلفظ : « صالح الأخلاق » رواه البخاري في الأدب والحاكم والبيهقي ، وعند الطبراني في