تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 613

مساهمون:

ص٦١٣
فإذا أمهات الأخلاق وأصولها أربعة : الحكمة ، والشجاعة ، والعفة ، والعدل . ونعني بالحكمة حالة للنفس بها يدرك الصواب من الخطأ في جميع الأفعال الاختيارية . ونعني بالعدل حالة للنفس وقوّة بها تسوس الغضب والشهوة ويحملها على مقتضى الحكمة ويضبطهما في الاسترسال والانقباض على حسب مقتضاها . ونعني بالشجاعة كون قوّة الغضب منقادة للعقل في إقدامها وإحجامها ، ونعني بالعفة تأدب قوّة الشهوة بتأديب العقل والشرع . فمن اعتدال هذه الأصول الأربعة تصدر الاخلاق الجميلة كلها . إذ من اعتدال قوّة العقل يحصل حسن التدبير وجودة الذهن وثقابة الرأي وإصابة
شرح
( فإذا أمهات الأخلاق وأصولها أربعة : الحكمة ، والشجاعة ، والعفة ، والعدل . ونعني بالحكمة حالة للنفس بها يدرك الصواب من الخطأ في جميع الأفعال الاختيارية ) وهي المسماة بهيئة القوّة العقلية العلمية ، ( ونعني بالعدل حالة للنفس وقوّة بها تسوس الغضب والشهوة وتحملها مع مقتضى الحكمة وتضبطها في الاسترسال والانقباض على حسب مقتضاها ) أي الحكمة لا على حسب مقتضى النفس ، ( ونعني بالشجاعة كون قوّة الغضب منقادة للعقل في اقدامها واحجامها ) سواء اعتبرت في النفس أو في العقل ، ( ونعني بالعفة تأدب قوّة الشهوة بتأديب العقل والشرع ) . وهذه الأربعة التي هي أمهات الاخلاق تسمى فضائل نفسية ، وبعضها يلازم بعضا ، فإن العقل المعبر عنه بالحكمة إذا أشرف عقل صاحبه عن الأقدام على ما يورثه مذمة ويحمله على الإقدام على المخاوف التي تورثه محمدة ، وعلى أن يسمح بفضلات ما في يده لمن يحتاج إليه ، وأن يبذل لكل ذي حق وذلك هو العفة والشجاعة والجود والعدالة . وكذلك إذا كان عدلا يحمله عدله على ترك ما لا يجوز له تناوله ، وإن لا يحجم عما يلزمه الإقدام عليه ، وأن لا يبخل بفضلات في يده ، وإذا كان شجاعا لا تقهره شهوته على تناول ما لا يجوز تناوله وعلى ظلم غيره ، ولا يخاف الفقر فيبخل ، وبهذا النظر جعل بعض الشعراء الشجاعة سماحة والسماحة شجاعة فقال :أيقنت أن من السماح شجاعة * تدمي وإن من الشجاعة جوداوجعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم دفع الشهوة جهادا ، فقال « جهادك هواك » وجعلت العفة جودا فقيل : الجود جودان جود بما في يدك وجود بما في يد غيرك وهو أعظمهما . وهذه الفضائل إذا حصلت حصل بها الإنسانية والحرية والكرم ، وعنها يتأصل الإسلام والإيمان والتقوى والإخلاص ، وقد أشار المصنف إلى ما تصدر عنه الأخلاق الجميلة من اعتدال هذه الأصول الأربعة فقال : ( إذ من اعتدال قوّة العقل يصدر حسن التدبير ) وهو النظر لعواقب الأمور واشتقاقه يقتضي ذلك لأنه تأمل دبر الأمر ، وعليه حث حيث قال الشاعر :ومن ترك العواقب مهملات * فأكثر سعيه أبدا تبار