الظاهرة مطلقا لا يتم بحسن العينين دون الأنف والفم والخدّ بل لا بد من حسن الجميع ليتم حسن الظاهر ، فكذلك في الباطن أربعة أركان لا بد من الحسن في جميعها حتى يتم حسن الخلق ، فإذا استوت الأركان الأربعة واعتدلت وتناسبت حصل حسن الخلق وهو قوّة العلم وقوّة الغضب وقوّة الشهوة وقوّة العدل بين هذه القوى الثلاث .
أما قوّة العلم ، فحسنها وصلاحها في أن تصير بحيث يسهل بها درك الفرق بين الصدق والكذب في الأقوال وبين الحق والباطل في الاعتقادات وبين الجميل والقبيح في الأفعال ، فإذا صلحت هذه القوة حصل منها ثمرة الحكمة والحكمة رأس الأخلاق الحسنة وهي التي قال اللّه فيها :
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً .
[ البقرة :
269 ] .
وأما قوّة الغضب ، فحسنها في أن يصير انقباضها وانبساطها على حد ما تقتضيه الحكمة ، وكذلك الشهوة حسنها وصلاحها أن تكون تحت إشارة الحكمة . أعني إشارة العقل والشرع .
شرح
( وكما أن حسن الصورة الظاهرة مطلقا لا يتم بحسن العينين ) فقط ( دون ) حسن ( الأنف والخد ، بل لا بدّ من حسن الجميع ليتم حسن الظاهر ، فكذلك في الباطن أربعة أركان : لا بد من الحسن في جميعها حتى يتم حسن الخلق ، فإذا استوت الأركان الأربعة واعتدلت وتناسبت حصل حسن الخلق وهي ) القوى الأربعة : ( قوّة العلم ، وقوّة الغضب ، وقوّة الشهوة ) هذه الثلاثة أصول الأركان ، ( و ) الرابعة هي ( قوّة العدل بين هذه القوى الثلاث ) ، ولا يحصل للإنسان طهارة النفس إلا باصلاح تلك القوى الثلاث ، ( أمّا قوّة العلم فحسنها وصلاحها في أن تصير بحيث يسهل بها درك الفرق ، وهو التمييز بين الصدق والكذب في الأقوال ، وبين الحق والباطل في الاعتقادات ، وبين الجميل والقبيح في الأفعال ) . وإصلاح هذه القوّة بالتعليم بشروطه وآدابه المذكورة في كتاب العلم ، ( وإذا انصلحت هذه القوّة حصل منها ثمرة الحكمة ) التي هي إصابة الحق بالعلم والعمل ، ( والحكمة رأس الأخلاق الحسنة ) أي أعلاها ( وهي التي قال ) اللّه ( تعالى فيهاوَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً) أشار بذلك إلى أن الحكمة جماع الخير كله . وروي عن ابن عباس في قوله تعالىوَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ[ لقمان : 12 ] قال : يعني العقل والفهم والفطنة من غير نبوّة أخرجه ابن مردويه ، وأما قوّة الغضب فحسنها في أن يقتصر انقباضها وانبساطها على حد ما تقتضيه الحكمة وإصلاحها بإسلاسها حتى يحصل الحلم وهو كف النفس عن قضاء وطر الغضب ، وتحصل الشجاعة وهو كف النفس عن الخوف والحرص المذمومين ، ( وكذلك الشهوة حسنها وصلاحها في أن تكون تحت إشارة الحكمة . أعني إشارة الدين والعقل ) وإصلاحها بالعفة حتى تسلس للجود والمواساة المحمودة بقدر الطاقة .