وأما قوّة العدل : فهو ضبط الشهوة والغضب تحت إشارة العقل والشرع .
فالعقل مثاله مثال الناصح المشير ، وقوّة العدل هي القدرة ومثالها مثال المنفذ الممضي لإشارة العقل ، والغضب هو الذي تنفذ فيه الإشارة ومثاله مثال كلب الصيد ، فإنه يحتاج إلى أن يؤدب حتى يكون استرساله وتوقفه بحسب الإشارة لا بحسب هيجان شهوة النفس ، والشهوة مثالها مثال الفرس الذي يركب في طلب الصيد فإنه تارة يكون مروّضا مؤدبا وتارة يكون جموحا . فمن استوت فيه هذه الخصال واعتدلت فهو حسن الخلق مطلقا ومن اعتدل فيه بعضها دون البعض فهو حسن الخلق بالإضافة إلى ذلك المعنى خاصة ، كالذي يحسن بعض أجزاء وجهه دون بعض ، وحسن القوّة الغضبية واعتدالها يعبر عنه بالشجاعة ، وحسن قوّة الشهوة واعتدالها يعبر عنه بالعفة ، فإن مالت قوّة الغضب عن الاعتدال إلى طرف الزيادة تسمى تهوّرا وإن مالت إلى الضعف والنقصان
شرح
( وأما قوّة العدل فهو في ضبط قوّة الغضب والشهوة تحت إشارة العقل والشرع ) .
( فالعقل منزلته منزلة الناصح المشير وقوّة العدل هي القدرة ومنزلها منزلة المنفذ ) للأمر ( الممضي لإشارة العقل ، والغضب هو الذي تنفذ فيه الإشارة ) المذكورة ( ومثال الغضب ) في الظاهر ( مثال كلب الصيد ) أي المتخذ له ، ( فإنه يحتاج إلى أن يؤدب ) ويعلم ( حتى يكون استرساله ) للصيد ( وتوقفه ) عنه ( بحسب الإشارة لا بحسب هيجان النفس ومثال الشهوة ) في الظاهرة ( مثال الفرس الذي يركب في طلب الصيد ، فإنه تارة يكون مروّضا مؤدبا ) يكون إقدامه وإحجامه تحت الإشارة ، ( وتارة يكون جموحا ) رافعا رأسه حيث يريد غير مطيع لصاحبه ، ( فمن استوت فيه هذه الصفات واعتدلت فهو حسن الخلق مطلقا وفيه جماع المكارم وهو الممدوح بما تقدم من الآيات والأخبار ومن اعتدل فيه بعضها دون بعض فهو حسن الخلق بالإضافة إلى ذلك المعنى خاصة ) فهو حسن مقصور ( كالذي يحسن بعض أعضاء وجهه دون بعض ) فإنه لا يقال فيه إنه حسن الوجه مطلقا ، ( وحسن القوّة الغضبية واعتدالها يعبر عنه بالشجاعة ) وهي إن اعتبرت في النفس فصرامة القلب على الأهوال وربط الجأش وإن اعتبرت بالفعل فالإقدام على موضع الفرصة ( وحسن قوّة الشهوة واعتدالها يعبر عنه بالعفة ) بالكسر وهي حصول حالة للنفس يمتنع بها عن غلبة الشهوة وأصلها تناول الشيء القليل الجاري مجرى العفافة والعفة بالضم البقية من الشيء ، ( فإن مالت قوّة الغضب عن الاعتدال إلى طرف الزيادة سمى ذلك تهوّرا ) وهو الثبات المذموم في الأمور العملية ، ( وإن مالت إلى الضعف والنقصان سمي ذلك جبنا ) وهو الإحجام عن مباشرة ما ينبغي ( وخورا ) محركة وهو الضعيف عن مباشرة ما ينبغي . اعلم أن الشجاعة تتولد من الفزع والغضب إذا كانا متوسطين ، فإن الغضب قد يكون لمن يحتدم سريعا من أشياء صغيرة ، وقد يكون مفرطا لا يغضب من الاجتراء على حرمه وشتم أبيه ، وقد يكون متوسطا على ما يجب من وقت ما يجب بقدر ما يجب ، وكذلك