تسمى جبنا وخورا وإن مالت قوّة الشهوة إلى طرف الزيادة تسمى شرها ، وإن مالت إلى النقصان تسمى جمودا .
والمحمود هو الوسط وهو الفضيلة والطرفان رذيلتان مذمومتان ، والعدل إذا فات فليس له طرفان زيادة ونقصان بل له ضد واحد ومقابل وهو الجور .
وأما الحكمة فيسمى إفراطها عند الاستعمال في الأغراض الفاسدة خبثا وجربزة ، ويسمى تفريطها بلها والوسط هو الذي يختص باسم الحكمة .
شرح
الفزع يكون منه فيتولد منه الجبن الهالع ، ومفرطا فيتولد منه الوقاحة والغمارة كمن لا يفزع من شتم آبائه وتضييع حرمه وأصدقائه ، وقد يكون متوسطا كما يجب وقدر ما يجب ، ( وإن مالت قوّة الشهوة إلى طرف الزيادة سمي شرها ) بالتحريك وهو شدة الحرص إلى الشيء ، ( وإن مالت إلى النقصان سمي جمودا ) . اعلم أن العفة لا تتعلق إلا بالقوى الشهوية ، ولا تتعلق القوّة الشهوية إلا بالملاذ الحيوانية وهي المعلقة بالغارين ، وهما البطن والفرج دون الألوان الحسنة والألحان الطيبة والاشكال المنتظمة فهي إذا ضبط النفس عن الملاذ الحيوانية وهي حالة متوسطة بين إفراط وتفريط .
( والمحمود هو الوسط وهو الفضيلة ) بل أس الفضائل من القناعة والزهد وغنى النفس والسخاء وعدمها يعفي على جميع المحاسن ويعري عن لبوس المحامد ، ومن يتسم العفة قامت العفة له بحجة ما سواها من الفضائل وسهلت له سبيل الوصول إلى المحاسن ، ( والطرفان ) الإفراط والتفريط ( رذيلتان مذمومتان ) قد تنشأ عنهما رذائل كثيرة كما سيأتي بيانها ، ( والعدل إذا فات فليس له طرفان زيادة ونقصان ، بل له ضد واحد وهو الجور ) . نعم قد يتصوّر أن يكون للعدل طرفان متغايران باعتبار كماله ونقصانه ، وباعتبار ظهوره في وصفه الحقيقي ، وفي غير وصفه بأن يسمى عدلا بالإضافة وهو جور في الحقيقة ، وذلك كقولهم : المساواة في الظلم عدل ، وهذا يتصوّر فيما إذا انتشر الجور وصار كل من يأتي من الولاة يزيد جورا على الجور السابق فيأتي رجل فيبطل تلك الزيادة ويقيم الناس على القانون السابق ، فذلك القانون السابق ولو كان في حد نفسه جورا إلا أنه بالإضافة لما يصدر من الناس من الزيادة هو عدل في الجملة ، ولكن ليس لطرفيه اسم خاص يتميز به عن ضده ، ومما يدلك على الاختلاف مراتب العدل أنه ليس عدل عمر ابن عبد العزيز رحمه اللّه كعدل عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، كما أنه ليس عدل السلطان نور الدين الشهيد رحمه اللّه كعدل عمر بن عبد العزيز ، وكل منهم عادلون في أزمنتهم .
( وأما الحكمة فيسمى إفراطها عند الاستعمال في الأغراض الفاسدة ) التي لا يبيحها الشرع ( خبثا ) بالكسر ( وجربزة ) بفتح الجيم وسكون الراء وفتح الموحدة وهي الشطارة ، ( ويسمى تفريطها بلها ) محركة وهو ضعف العقل ، ( والوسط هو الذي يخص باسم الحكمة ) .