تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 609

مساهمون:

ص٦٠٩
لأن نسبة القوّة إلى الإمساك والإعطاء بل إلى الضدين واحد ، وكل انسان خلق بالفطرة قادرا على الإعطاء والإمساك ، وذلك لا يوجب خلق البخل ولا خلق السخاء وليس هو عبارة عن المعرفة فإن المعرفة تتعلق بالجميل والقبيح جميعا على وجه واحد بل هو عبارة عن المعنى الرابع ، وهو الهيئة التي بها تستعد النفس لأن يصدر منها الإمساك أو البذل . فالخلق إذا عبارة عن هيئة النفس وصورتها الباطنة ، وكما أن حسن الصورة
شرح
ذلك الفعل الصادر عن الهيئة ( لأن نسبة القوّة إلى الامساك والإعطاء بل ) نسبتها ( إلى الضدين واحدة ، وكل إنسان خلق بالفطرة ) الأصلية ( قادرا على الإعطاء أو الإمساك وذلك لا يوجب خلق البخل ) بالنسبة إلى قوّة الإمساك ( ولا خلق السخاء ) بالنسبة إلى قوّة الإعطاء ( وليس هو ) أي الخلق ( عبارة عن المعرفة بذلك الفعل ) الصادر عن الهيئة ، ( فإن المعرفة تتعلق بالجميل والقبيح جميعا على وجه واحد ، بل هو عبارة عن المعنى الرابع ، وهو الهيئة التي بها تستعد النفس ) وتتهيأ ، ( لأن يصدر منها الامساك أو البذل . فالخلق إذا عبارة عن هيئة النفس وصورتها الباطنة ) هذا هو الأصل واختلف في اشتقاقه وأخذه ، فقيل : هو من قولهم فلان خليق بكذا ، وصاحب هذا القول يجعله اسما للحالة المكتسبة التي يصير الإنسان بها خليقا أن يفعل شيئا دون شيء كمن هو خليق بالغضب لحدة مزاجه ، ولهذا خص كل حيوان بخلق في أصل خلقته كالشجاعة للأسد ، والجبن للأرنب ، والمكر للثعلب ، أو من الخلاقة أي الملاسة فكأنه اسم لما مرن عليه الإنسان من قولهم : العادة طبيعة ثانية ويجعل مرة اسما للفعل الصادر عنه باسمه ، وعلى ذلك أسماء أنواعها نحو العفة والعدالة والشجاعة ، فإن ذلك يقال للهيئة والفعل جميعا وربما تسمى الهيئة باسم ، والفعل الصادر عنها باسم كالسخاء والجود ، فإن السخاء اسم للهيئة التي عليها الإنسان ، والجود اسم للفعل الصادر عنها ، وإن كان قد يسمى كل واحد باسم الآخر ، وانظر ما قدمنا فيه قريبا في التنبيه هذا ما يتعلق بالخلق ، والفرق بينه وبين الطبع والسجية والعادة ، فالطبع أصله من طبع السيف وهو اتخاذ الصورة المخصوصة في الحديد ، وكذلك الطبيعة اعتبارا بطبع السيف ، والضريبة اعتبار بضرب الدراهم ، وقد تقدم ذكرها في الحديث كرم الضريبة والنحيتة اعتبار بالنحت ، والنجيرة اعتبار بنجر الخشبة ، والغريزة لما غرز عليه ، وكل ذلك اسم للقوّة التي لا سبيل إلى تغيرها ، والشيمة اسم للحالة التي عليها الغريزة اعتبارا بالشامة التي هي أصل الخلقة ، والسجية اسم لما سجى عليه الإنسان من قولهم عين ساجية أي فاترة خلقة ، وأكثر ما يستعمل ذلك فيما لا يمكن تغيره ، وأما العادة فاسم لتكرير الفعل والانفعال من عاد يعود وبها يكمل الخلق ، وليس للعادة فعل إلا تسهيل خروج ما هو بالقوّة في الإنسان إلى الفعل : فإما أن يجذب السجية إلى خلاف ما خلقت عليه فمحال ، فالسجية اسم لفعل الخالق ، والعادة فعل للمخلوق ولا يبطل فعل المخلوق فعل الخالق ، لكن ربما تقوى العادة قوّة محكمة حتى تعد سجية وبهذا النظر قيل العادة طبيعة ثانية .