السموم القاتلة والمهلكات الدامغة والمخازي الفاضحة والرذائل الواضحة والخبائث المبعدة عن جوار رب العالمين المنخرطة بصاحبها في سلك الشياطين ، وهي الأبواب المفتوحة إلى نار اللّه الموقدة التي تطلع على الأفئدة ، كما أن الاخلاق الجميلة هي الأبواب المفتوحة إلى القلب إلى نعيم الجنان وجوار الرحمن ، والاخلاق الخبيثة أمراض القلوب وأسقام النفوس إلا أنه مرض يفوت حياة الأبد ، وأين منه المرض الذي لا يفوت إلا حياة الجسد ؟
ومهما اشتدت عناية الأطباء بضبط قوانين العلاج للأبدان وليس في مرضها إلا فوت الحياة الفانية فالعناية بضبط قوانين العلاج لأمراض القلوب وفي مرضها فوت حياة باقية أولى ، وهذا النوع من الطب واجب تعلمه على كل ذي لب إذ لا يخلو قلب من القلوب
شرح
وصفت الأخلاق من الدنس والكدر نال العبد المعرفة الموصلة له إلى ربه ، ( والاخلاق السيئة ) وهي الأفعال الردية التي تصدر عن الهيئة بحيث ينكرها العقل والشرع ( هي السموم القاتلة ) لصاحبها أي بمنزلتها ، ( والمهلكات الدامغة ) أي الكاسرة لدماغه فلا حياة معها ( والمخازي الفاضحة ) جمع خزي بالكسر على غير قياس وهو الذل والهوان والانكسار والفضيحة العيب وفضحه كشف عيبه ، ( والرذائل ) جمع رذيلة وهي صفة مرذولة أي ردية غير جيدة ( الواضحة ) أي الظاهرة ، ( والخبائث المبعدة من جوار رب العالمين ) أي من قربه ( المنخرطة بصاحبها في سلك الشيطان اللعين ) فإنه أصل كل خبث وفساد ، وهو يحب الخبائث ومن جملتها سوء الأخلاق فمن كان متصفا بما صار في سلك الشيطان والشيطان مطرود من رحمة اللّه ، فبالحري أن يكون الذي في سلكه مطرودا مثله ( وهي الأبواب المفتوحة إلى نار اللّه ) تفسير للحطمة التي من شأنها أنها تحطم كل ما يطرح فيها ، ( الموقدة ) التي أوقدها اللّه تعالى وما أوقده لا يقدر أن يطفئه غيره ( التي تطلع على الأفئدة ) أي تعلو أوساط القلوب وتشمل عليها وتخصيصها بالذكر ، لأن الفؤاد ألطف ما في البدن وأشده تألما أو لأنه منشأ الأعمال القبيحة والعقائد الزائغة ، ( كما أن الأخلاق الجميلة هي الأبواب المفتوحة من القلب إلى نعيم الجنان وجوار الرحمن ) فإن من اتصف بها فقد شابه الملائكة وقرب إليهم ، والملائكة مقربون عند اللّه تعالى وقريب القريب قريب ، ( فالأخلاق الخبيثة أمراض القلوب واسقام النفوس ) لأنها بمنزلة السمومات ، ومن زاول السمومات واستعملها لم يخل من مرض في القلب وسقم في النفس ، ( إلا أنه مرض يفوت حياة الأبد ) وهي البقاء باللّه ( وأين منه المرض الذي لا يفوت إلا حياة الجسد ) شتّان ما بينهما ، ( ومهما اشتدت عناية الأطباء بضبط قوانين العلاج للأبدان ) في بقاء صحتها على ما كانت عليه ، ( وليس في مرضها إلا فوت حياة فانية ) زائلة ، ( فالعناية بضبط قوانين العلاج لأمراض القلوب ) في إزالتها ( وفيها قرب حياة باقية ) للأبد ( أولى ، وهذا النوع من الطب واجب تعلمه على كل ذي لب ) وهذا هو طب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أرسلهم اللّه تعالى لتعليم الأمم ، كيف يجعلون القلب في كور المجاهدة وكيف يطهرون