الحمد للّه الذي صرف الأمور بتدبيره وعدل تركيب الخلق فأحسن في تصويره وزين صورة الإنسان بحسن تقويمه وتقديره ، وحرسه من الزيادة والنقصان في شكله ومقاديره ، وفوّض تحسين الأخلاق إلى اجتهاد العبد وتشميره واستحثه على تهذيبها بتخويفه وتحذيره ، وسهل على خواص عباده تهذيب الأخلاق بتوفيقه وتيسيره وامتن عليهم بتسهيل صعبه وعسيره . والصلاة والسلام على محمد عبد اللّه ونبيه وحبيبه وصفيه وبشيره ونذيره الذي كان يلوح أنوار النبوّة من بين أساريره ، ويستشرف حقيقة الحق
شرح
بالألباب ، وتشوّق إلى منازل الأحباب ، وإلى اللّه الرغبة في الإعانة ، فيما يسهل به طريق الكشف والإبانة ، وأن يوردنا من مناهل التوفيق الصافية أحلاها ، وأن يولينا من أنواع الإحسان أعلاها ، إنه بكل فضل جدير ، وعلى ما يشاء قدير .
قال المؤلف رحمه اللّه تعالى في مفتتح كتابه :
( بسم اللّه الرحمن الرحيم ) : تيمنا بالذكر الحكيم واقتداء بالكتاب الكريم والنبي العظيم ثم أردفه بقوله :
( الحمد للّه ) جمعا بين الحديثين وحوزا للفضيلتين ( الذي صرف الأمور ) أي حوّلها وقلبها ( بتدبيره ) أي حسن صنعه ، وأصل التدبير النظر في دبر الأمور أي عواقبها ، ( وعدل ) أي سوّى ( ترتيب الخلق ) فعل بمعنى مفعول أي جعل كل شيء منه في مرتبته التي تليق به ، ( فأحسن في تصويره ) أي إقامة صورته ( وزين صورة الإنسان ) من بين خلقه ( بحسن تقويمه ) أي تعديله ( وتقديره ) أي تحديده بحده الذي يوجد وأصل صورة الشيء ما به يحصل الشيء بالفعل ، ( وحرسه من الزيادة والنقصان في شكله ومقاديره ) فجعله على مقدار مخصوص ووجه مخصوص حسبما اقتضته حكمته الأزلية ، ( وفوّض تحسين الأخلاق ) وتسويتها ( إلى اجتهاد العبد وتشميره ) هو الاجتهاد مع السرعة وفيه الخفة ومنه يقال شمر في العبادة إذ اجتهد وبالغ ، وفيه أن الأخلاق ليست غرائز ، وسيأتي الكلام عليه ، ( واستحثه ) أي حرضه ( على تهذيبها ) أي تخليصها من مساوئها ( بتخويفه وتحذيره ) وذلك على لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، ( وسهّل على خواص عباده ) وهم الذين اختصهم بموالاته ومحبته واصطفاهم لقربه ( تهذيب الاخلاق ) أي تصفيتها بان ألهمهم طريق المجاهدة فيها عناية منه عليهم ( بتوفيقه ) إياهم ( وتيسيره ) لهم ، ( وامتن عليهم بتسهيل عسيره ) أي ما عسر منه بالإضافة إلى غيرهم ، ( والصلاة ) الكاملة ( على ) سيدنا ( محمد عبد اللّه ) وهو أشرف أسمائه صلّى اللّه عليه وسلّم . ( ونبيه ) المرسل منه ( وحبيبه ) المختص به ( وصفيه ) أي مختاره من بين أنبيائه الكرام عليهم السلام ، ( وبشيره ونذيره ) بما أعدّ لأمته من الثواب والعقاب ( الذي يلوح ) أي يظهر ( نور النبوّة ) المضيء ( من ) خلل ( أساريره ) أي خطوط جبهته ، فمن وقع عليه بصره ولاحت له أنوار وجهه أسرع إلى الإيمان بما جاء به وصدقه كما قال الشاعر :