من مخايله وتباشيره ، وعلى آله وأصحابه الذين طهروا وجه الإسلام من ظلمة الكفر ودياجيره ، وحسموا مادة الباطل فلم يتدنسوا بقليله ولا بكثيره .
أما بعد : فالخلق الحسن صفة سيد المرسلين وأفضل أعمال الصديقين وهو على التحقيق شطر الدين وثمرة مجاهدة المتقين ورياضة المتعبدين ، والأخلاق السيئة هي
شرح
لو لم تكن فيه آيات مبينة * كانت بداهته تغنيك عن خبره( وتشتف ) أي تظهر ( حقيقة الحق ) أي تعين ذاته ونسبته ( من مخايله ) جمع مخيلة وهي المظنة ( وتباشيره ) أي مما يظهر من ظاهره . يقال : هذا يستشف ما وراءه أي يبصر أشار بذلك إلى أن ما يعرف به صحة النبوّة إما عقلية وإما حسية فالأولى : يعرفها أولو البصائر من الصديقين ومن يجري مجراهم ، والثانية : يدركها أولو الأبصار من العامة ، وحق النبي أن يكون من أكرم تربة في العالم حيث يكون عقل أربابها أوفر ، وأن يكون من عنصر كريم ، وأن تكون عليه أنوار تروق من رآها وأخلاق تلذ من ابتلاها ، وأن يكون كلامه ذا حجة وبيان يشفي سامعه إذا كان متخصصا بنور العقل . وهذه الأحوال إذا حصلت لا يحتاج ذو البصيرة معها إلى معجزة ولا يطلبها كما لا يطلب الأنبياء من الملائكة فيما يخبرونهم حجة ، فنبينا صلّى اللّه عليه وسلّم أكرم الأنبياء أصلا وأحسنهم في هذه الأوصاف تحققا فما وقع بصر أحد عليه إلا وأقر بتصديقه وعلم أنه على الحق من غير تلعثم ، ( وعلى آله وأصحابه الذين طهروا وجه الإسلام عن ظلم الكفر ودياجيره ) جمع ديجور ، وهو شدة السواد يقال : ليل ديجور أي مظلم ، ( وحسموا ) أي قطعوا ( مادة الباطل ) أي أصله الذي ينشأ منه ، والباطل هو ما لا ثبات له من المقال والفعال عند الفحص ، وهو ضد الحق . ( فلم يتدنسوا بقليله ولا بكثيره ) أي لم يتعلقوا به قليلا كان أو كثيرا بل ، صاروا سببا لحقه وإزالته ، وإذا جاء الحق بطل الباطل .
( أما بعد : فالخلق الحسن صفة سيد المرسلين ) . اعلم أن الخلق بضمتين هيئة راسخة تصدر عنها الأفعال بيسر من غير حاجة إلى فكر وروية ، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة عقلا وشرعا بسهولة سميت الهيئة خلقا حسنا ، وليس الخلق عبارة عن الفعل ، فربّ شخص خلقه السخاء ولا يبذل إما لفقد مال أو لمانع ولا يسمى خلقا ما لم يثبت ذلك في نفسه ، وكونه صفته صلّى اللّه عليه وسلّم يأتي بيانه في بيان فضيلته ، ( وأفضل أعمال الصديقين ) بعد الإيمان باللّه كما سيأتي ذلك في الاخبار ، ( وهو على التحقيق شطر الدين ) أي نصفه ، كما روى الديلمي في مسند الفردوس بسند ضعيف من حديث أنس « حسن الخلق نصف الدين » وتقريره أن حسن الخلق يؤدي إلى صفاء القلب وطهارته ، فإذا صفا وطهر عظم النور وانشرح الصدر به ، فكان هو الجزء الأعظم في إدراك أسرار أحكام الدين فهو نصف بهذا الاعتبار ، ( وهو ثمرة مجاهدة المتقين ) أي نتيجتها ( و ) أيضا ثمرة ( رياضة المتعبدين ) لما أن في المجاهدة ورياضة النفس تهذيب أخلاق فثمرتها آخرا بتبديل أوصافها من القبح إلى الحسن ، والقلب إذا طهر من الرين