شرح
ويصم ، والموج الثاني موج الصفات السبعية الباعثة على الغضب والعداوة والحقد والحسد والمباهاة والتكاثر ، وبالحري أن يكون مظلما لأن الغضب غول العقل ، وبالحري أن يكون هو الموج الأعلى لأن الغضب في الأكثر مستول على الشهوات حتى إذا هاج أذهل عن الشهوات وأغفل عن اللذات ، فإن الشهوة لا تقاوم الغضب الهائج أصلا . أما السحاب : فهو الاعتقادات الخبيثة والظنون الكاذبة والخيالات الفاسدة التي صارت حجبا بين الكافر وبين الإيمان ، ومعرفة الحق والاستضاءة بنور شمس القرآن والعقل ، فإن خاصية السحاب أن يحجب إشراق نور الشمس ، وإذا كانت هذه كلها مظلمة فبالحري أن تكون ظلمات بعضها فوق بعض ، وإذا كانت الظلمات تحجب عن معرفة الأشياء القريبة فضلا عن البعيدة ، فلذلك يحجب الكفار عن معرفة أحوال عجائب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مع قرب تناوله وظهوره بأدنى تأمل ، فبالحري أن يعبر عنه بأنه إن أخرج يده لم يكد يراها . وإذا كان منبع الأنوار كلها من النور الأول الحق ، فبالحري ان يعتقد كل موحد أنمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ[ النور : 40 ] .
فصل
ولنختم هذا الكتاب بكلام الامام قطب الأقطاب أبي الحسن الشاذلي قدس اللّه سره قال في كتاب جمع من كلامه على أسرار الطريق ما نصه : قرأت سورة الإخلاص والمعوّذتين ذات ليلة ، فلما انتهيت إلى قولهمِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِرأيت بعد ذلك يقال لي : شر الوسواس وسواس يدخل بينك وبين جنبيك يذكرك أعمالك السيئة وينسيك ألطافه الحسنة ، ويكثر لديك ذات الشمال ، ويقلل عندك ذات اليمين ليعدل بك عن حسن الظن باللّه تعالى وكرمه إلى سوء الظن باللّه ورسوله ، فاحذرك هذا الباب فقد أخذ منه خلق كثير من العباد والزهاد وأهل الورع والاجتهاد ، وفيه أيضا قال رحمه اللّه تعالى : إذا كثر عليك الخواطر والوسواس فقل : سبحان الملك الخلاق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على اللّه بعزيز . وقال رحمه اللّه تعالى : إن أردت أن تسلم من الوسواس فلا تدبر لغد ولا لبعد غد ، وبه ختمت شرح كتاب عجائب القلب والفكر منقسم والخاطر متشعب ، والهم إلى الضرورات الدنيوية منصرف ، وأسأل اللّه العفو مما طغى به القلم أو زلت به القدم ، فان خوض غمرة الأسرار الإلهية خطير ، واستكشاف الأنوار العلوية من وراء الحجب عسير غير يسير ، والحمد للّه رب العالمين وصلّى اللّه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما .