تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 583

مساهمون:

ص٥٨٣
شرح
فصل قال المصنف في مشكاة الأنوار : مراتب الأرواح البشرية النورانية وهي خمسة . الأوّل : الروح الحساس وهو أصل الروح الحيواني ، وأوله إذ به يصير الحيوان حيوانا وهو موجود للصبي الرضيع . الثاني : الروح الخيالي وهو الذي يتكسب ما أوردته الحواس ويحفظه مخزونا عنده ليعرضه على الروح العقلي الذي فوقه عند الحاجة إليه ، وهذا لا يوجد للصبي الرضيع في بداية نشوه ، فلذلك يولع بالشيء ليأخذه ، فإذا غيب عنه ينساه ولا تنازعه نفسه إليه إلى أن يكبر قليلا فيصير بحيث إذا غيب عنه بكى وطلبه ، وذلك لبقاء صورته محفوظة في خياله ، وهذا قد يوجد لبعض الحيوانات دون بعض . الثالث : الروح العقلي الذي يدرك المعاني الخارجة عن الحس والخيال ، ولا يوجد للبهائم ولا للصبيان ، ومدركاته المعارف الضرورية الكلية . الرابع : الروح الفكري وهو الذي يأخذ العلوم العقلية المحضة فيوقع بينها تأليفات وازدواجات ويستنتج منها معارف شريفة . الخامس : الروح القدسي النبوي الذي به يختص الأنبياء وبعض الأولياء وفيه تتجلى لوائح الغيب وأحكام الآخرة ، وجملة من معارف ملكوت السماوات والأرض ، وإليه الإشارة بقولهوَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ[ الشورى : 52 ] فالروح الحساس أوفق مثال له في عالم الشهادة المشكاة ، والروح الخيالي أوفق مثال له الزجاجة ، والروح العقلي أوفق مثال له المصباح ، والروح الفكري أوفق مثال له الشجرة ، والروح القدسي أوفق مثال له الزيت ، وإذا كانت هذه الأنوار مرتبة بعضها على بعض فالحسي هو الأوّل وهو كالتوطئة للخيالي إذ لا يتصوّر الخيالي إلا موضوعا بعده ، والفكري والعقلي بعدهما فبالحري أن تكون الزجاجة كالمحل للمصباح ، والمشكاة كالمحل للزجاجة ، فيكون المصباح في الزجاجة والزجاجة في مشكاة ، وإذا كانت هذه كلها أنوارا بعضها فوق بعض فبالحري أن تكون نورا على نور وهذا مثل قلب المؤمن . فصل ومثال قلب الكافر هو المشار إليه بقوله تعالىأَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ[ النور : 40 ] الآية . فالبحر اللجي هو الدنيا بما فيها من الشهوات المردية والكدورات المعمية ، والموج الأول موج الشهوات الداعية إلى الصفات البهيمية والاشتغال باللذات الحسية ، فبالحري أن يكون هذا الموج مظلما لأن حب الشيء يعمي