تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 581

مساهمون:

ص٥٨١
شرح
فهذا من اليقين وهو مزيد الإيمان ، وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه ، وكل هذه الفصول لخصتها من كتاب القوت . فصل إذا كان شأن العبد تمييز خواطر النفس في مقام تخلصه من لمات الشيطان تكثر لديه خواطر الحق وخواطر الملك ، وتصير الخواطر الأربعة في حقه ثلاثة ، ويسقط خاطر الشيطان إلا نادرا لضيق مكانه من النفس ، لأن الشيطان يدخل بطريق اتساع النفس ، واتساع النفس باتباع الهوى والإخلاد إلى الأرض ، ومن ضايق النفس على التمييز بين الحظ والحق ضاقت نفسه وسقط محل الشيطان إلا نادرا لدخول الابتلاء عليه . فصل من المرادين بمقام المقربين من إذا صار قلبه سماء مزينا بزينة كواكب الذكر يصير قلبه سماويا فيرتقي ويعرج بباطنه ومعناه وحقيقته في طبقات السماوات ، وكلما تترقى تتضاءل النفس المطمئنة وتبعد عنه خواطرها حتى يتجاوز السماوات بعروج باطنه ، كما كان ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بظاهره وقالبه ، فإذا استكمل العروج تنقطع عنه خواطر اليقين لتستره بأنوار القرب وبعد النفس عنه ، وعند ذلك تنقطع عنه خواطر الحق أيضا لأن الخاطر رسول والرسالة إلى من بعد وهذا قريب ، وهذا الذي وصفناه نازل به ولا يدوم ، بل يعود في هبوطه إلى منازل مطالبات النفس وخواطره ، فتعود إليه خواطر الحق وخواطر الملك ، وذلك أن الخواطر تستدعي وجودا . وما أشرنا إليه حالة الفناء فلا خاطر فيه وخاطر الحق إبقاء لمكان القرب وخاطر النفس بعد لبعد النفس وخاطر الملك تخلف عنه كتخلف جبريل عليه السلام في ليلة المعراج عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حيث قال : لو دنوت أنملة لاحترقت . فصل وسبب اشتباه الخواطر أربعة أشياء لا خامس لها : إما ضعف اليقين ، أو قلة العلم بمعرفة صفات النفس وأخلاقها ، أو متابعة الهوى بخرم قواعد التقوى ، أو محبة الدنيا وجاه‌ها ومالها وطلب الرفعة والمنزلة عند الناس ، فمن عصم عن هذه الأربعة يفرق بين لمة الملك ولمة الشيطان ، ومن ابتلى بها لا يعلمها ولا يتطلبها . وانكشاف بعض الخواطر دون البعض لوجود بعض هذه الأربعة دون البعض ، وأقوم الناس بتمييز الخواطر أقومهم بمعرفة النفس ومعرفة النفس عسر المنال لا يكاد يتيسر إلا بعد الاستقصاء في الزهد والتقوى واتفق المشايخ على أن من كان أكله من الحرام لا يفرق بين الإلهام والوسوسة . وقال أبو علي الدقاق : من كان قوته معلوما لا يفرق بين الإلهام والوسوسة ، وهذا لا يصح على الإطلاق الا بقيد ، وذلك أن من المعلوم ما يقيمه الحق تعالى لعبد
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 581 | مرتضى الزبيدي