تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 580

مساهمون:

ص٥٨٠
شرح
المحرك الغيب ادعاء الحركة والسكون بنفسه ، لوقوف نظره على نفسه إذ كان مشهودا في عمى عن النظر إلى الشاهد المحرك المسكن لبعد مقامه ، لأنه غيب من وراء الحركة ، والغيب لا يشهد إلا بالغيب وهو واليقين ، كما لا تدرك الشهادة إلا بشهادة وهي العين ، فمن عمي بصره لم ير من الملك شيئا كذلك من حجب قلبه لم ير من الملكوت شيئا فلعدم اليقين عمى عن الشهادة ، ولإيقاع الحجة أدرك بالمعقول الشهادة ، ولو كان من أولي الابصار لاعتبر الحركة الغيبية بالمتحرك الشاهد ، فكما ان الحركة عيب في الجسم ظهر عنها التحرك ، فأظهر تعالى المتحرك وأخفى الحركة فيه ، وأظهر الصنعة وأخفى الصنع فيه لتفصيل حكمته ، كذلك الصانع ذو الصنعة الأولى والحاكم الأعلى ذو الحكم الأغلب غيّب عن الحركة التي أخفاها هو من ورائها بلطائف القدرة ، فشهد المعقول ما أشهد مما ظهر له ووجهه به لأنه معقول عليه محددو له وعمي عما غيبت عنه لفقد اليقين منه ، فعندها ادعى الحركة والسكون للشاهد فحجبه ذلك عن الشهيد ، وشهد الموحد شهادة التوحيد ، فوحد لما كوشف له الملكوت بنور اليقين فأفرد . فصل الخلق محجوبون بثلاثة حجب بعضها أكثف من بعض . أحدها : أواسط وأسباب معترضة ، وشهوات حادثة ، وعادات صادرة ، فالأسباب توقفهم عليها ، والشهوات تجذبهم إليها ، والعادات تردهم فيها فأي هذه الحجب ظهر في قلبه وبعضها أشد من بعض فهي مكان للعدو وأوسع من مكان ، فتمكن سلطانه على قدر سعة مكانه قويت النفس بتزيين العدوّ وسوّلت بتأميله ، فملكت العبد ملكا أشد من ملك ، فإذا ملكت النفس العبد كان مملوكها وأسيرها وكانت بالهوى أسيره ، فاستهواه الشيطان حينئذ بالغواية والاضلال واستحوذ عليه بمعاني المشاركة في الأولاد والأموال ، فشغله بذلك عن اللّه تعالى وأنساه ذكره ، وهذا هو الاقتران الذي ذمه اللّه تعالى في قوله :وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً[ النساء : 38 ] هو فوق النزغ والهمز . فصل ما كان من لائح يلوح في القلب من معصية ثم ينقلب ولا يلبث ، فهذا نزغ من قبل العدوّ ، وما كان في القلب من هوى ثابت أو حال مزعج دائم لابث ، فهذا من قبل النفس الأمّارة بطبعها أو مطالبة منها بسوء عادتها ، وما ورد على العبد من همة بمعصية ووجد العبد فيه كراهتها ، فالورود من قبل العدو ، والكراهة من قبل الإيمان وما وجده العبد وجدا فهوى أو معصية ، ثم ورد عليه المنع من ذلك فالوجد من النفس والوارد بالمنع من الملك ، وما وجده العبد من ذكر في عاقبة دنيا أو تدبير الحال ونظر إلى معبود ، فهذا من قبل العقل ، وما وجد من خوف أو حياء أو ورع أو زهد أو من شأن الآخرة ، فهذا من الإيمان ، وما شهده القلب من تعظيم أو هيبة أو إجلال أو قرب ،
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 580 | مرتضى الزبيدي