تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 579

مساهمون:

ص٥٧٩
شرح
الغيب بفقد كونه ووجد كينونيته ، وما لا يصلح بعد ذلك كشفه إلا لأهله أو لمن سأل عنه ، وهذا يكون في مقام التوحيد وهو أنصبة المقربين . فصل كل عمل وإن قل لا بد له من ثلاثة معان قد استأثر اللّه تعالى بتوليها . أولها : التوفيق وهو الاتفاق أن يجمع بينك وبين الشيء والثاني : القوة وهو اسم لثبات الحركة التي هي أول الفعل ، والثالث : الصبر وهو تمام الفعل الذي به يتم ، وقد رد اللّه تعالى هذه الأصول التي يظهر عنها كل عمل إليه تعالى فقال :وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ[ هود : 98 ] وقال :ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ[ الكهف : 39 ] وقالوَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ[ النحل : 127 ] . فصل قد قرن اللّه القلب بالإيمان والبعث والأمر بهما في قوله تعالى :وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ[ الأنفال : 24 ] قال ابن عباس : يحول بين المؤمن والكافر وبين الكافر والايمان ، وقيل : بين العبد وبين الاستجابة للّه والرسول ، وقيل : بين المؤمن وسوء الخاتمة وبين الكافر وحسن الخاتمة ، وقيل : بين المؤمن وان يلقيه في كبيرة يهلك فيها وبين المنافق وإن يوفقه لطاعة ينجو بها . وهذه مخاوف للمؤمنين بتحقيق الوعيد . فصل نصيب كل عبد من مشاهدة القدرة بقدر نصيبه من التوحيد ونصيبه منه حسب قسمه من اليقين وقسمه منه عن قربه من القريب ، وقربه منه بقدر علمه به تعالى ، واتساعه في العلم به على نحو مكانه من نور الإيمان ومزيد إيمانه على قدر إحسانه إليه ، وإحسانه إليه على قدر عنايته به ، وإيثاره له علم اللّه من وراء ذلك ، وذلك سر القدر المجوب المخترق ، ونصيب كل عبد من الجهل على قدر نصيبه من الغفلة ، ونصيبه من الغفلة على حسب حبه للدنيا ، وحبه للدنيا على قدر قوّة الهوى ، وقوّته في الهوى على قدر غلبة سلطان النفس ونشر صفاتها عليه ، وقوّة صفات النفس على قدر ضعف اليقين ، وضعف يقينه من كثافة الحجاب وبعد البعد بينه وبين اللّه تعالى ، والحجاب والبعد ميراثه الكبر والقسوة ، والقسوة تورث الانهماك في المعاصي ، وإدمان المعاصي عن الإعراض ، والمقت والاعراض عن قلة عناية المولى بعبده وسوء نظره إليه ، ومن وراء ذلك سر القدر المحجوب الذي به عن الخلق استأثر . فصل قد حجب العقل المكيد عن النظر إلى المبديء المعيد بما أظهر له من صورته وحركته فستره ذلك عن الأول المصوّر القادر المحرك ، فادعى عن نظره إلى حركته وسكونه التي هي حجة له عن