شرح
القلب من التأثير بنور السراج المنير ، فيخاف العبد مقام الرب لصفاء القلب فيفزع من الخطيئة ويهرب أو يستغفر منها ويتوب ويظهر عليه شعار تقواه .
فصل
وقد تختلف اللمتان . فربما تقدمت إليه لمة العدوّ بالأمر بالشر ، ويقدح بعدها لمة الملك نصرة للعبد وتثبيتا على الخير وعناية من الرب فينهى عن ذلك ، فعلى العبد أن يعصي الخاطر الأوّل ويتبع الثاني ، وقد يتقدم الهام الملك بالخير ثم يقدح بعده خاطر العدوّ بالنهي عنه ، والإملاء بالتأخير عنه محنة من اللّه تعالى للعبد لينظر كيف يعمل ، فعليه أن يطيع الخاطر الأوّل ويعصى الثاني ، ثم ترقى الخاطر من إلهام ووسوسة ، وقد يتفاوت ذلك لقوّة وضعف لتفاوت الأحكام والإرادة من الحاكم ، ومن قبل تقدير القدرة وغرائب الأحكام بالمشيئة لأن له في خزانة الخير خزائن شر إذا شاء ، وله في خزانة الشر خزائن خير إذا أحب لمن يحب لئلا يسكن إلى سواه ، فإذا شهد العارف ذلك لم يقطع بخير ولا يدل به أبدا لأنه لا يأمن من مكر اللّه بتقليب خزائن الشر من خزانة الخير إذ غلبه ابداه ، ولم ييأس من شر عليه أبدا لأنه يرجو تقليب خزائن الخير من حيث خزائن الشر ، فيكون بين الخوف والرجاء ولا يدرك ذلك إلا بدقائق العلوم ولطائف الفهوم وصفاء الأنوار من تعليم الرحيم الجبار ، فما كان العبد يجد بعد خطرة الشر خطرة خير تنهاه عنها فهو منظور إليه متدارك ، وهذا هو الواعظ القائم في القلب والزاجر المؤيد العقل ، وقد تترادف خواطر الشر عن النفس والهوى فلا يعتقبها خاطر خير من الملك ، وهذا علامة البعد ونهاية قسوة القلب . وقد يتتابع خاطر الخير من الروح والملك ، ويعافي العبد من خاطر الهوى والنفس ، وهذه علامة القرب وهو حال المقربين ، وقد ترد خواطر العدو ووساوسه بالخير ابتلاء من اللّه تعالى لعبده وحيلة من العدو ومكرا من النفس يريد العدو بذلك الشر أو يخرجه آخرا إلى إثم ، أو ليقطعه بذلك عن واجب يشغله به عن الأفضل في الحال ، فيكون ظاهره برا وباطنه إثما ، ويكون أوّله خيرا وآخره شرا ، وبغية العدو من ذلك باطنه وآخره ، وشهوة النفس من ذلك هواها ومناها قد لبسا ظاهره بالخير وموّها أوّله بالبر تحسينا ، وهذا من أدق ما يبتلى به العاملون ، ولا يعرف بواطنه وسرائره إلا العالمون ، فأما خاطر الملك فلا يرد إلا بخير صريح وبر محض على كل حال إذا ورد لأن الخداع والحيلة ليسا من وصف الملائكة ، ولكن قد تنقطع خواطر الملك من القلب إذا اشتدت قسوته ودامت معصيته من المبعدين فيخلي بين القلب وبين نوازع العدو اللعين ويتخلى العدو بهوى النفس فيستحوذ ويقترن بالعبد ، نعوذ باللّه من أبعاده ولا يزال العبد مع إلهام الملك في مقام الإيمان ، فإذا دفع إلى مقامات اليقين تولاه اللّه تعالى بواسطة أنوار الروح ، فكان الروح مكان لقاء الحق سبحانه حتى يرد عليه من اللّه تعالى من السرائر ما لا يطلع عليه الملك ، ولا يكون ذلك حتى تفني خواطر النفس بالهوى فلا تبقى منها باقية وتقوى النفس فتدرج في الروح فلا تظهر منها داعية ، ثم يتولاه اللّه بنور اليقين فيسطع له نور اليقين من خزانة الغيب بمكاشفة الجبروت ، فيشهد العبد شهادة الحق بالحق معاينة