شرح
علما وحسه فخرق شغافه ووصل إلى سويدائه كان وجدا ، وهذا هو الحال عن مقام مشاهدة ، ومن هذا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أسألك ايمانا يباشر قلبي » وقال بعض العارفين : إذا كان الإيمان في ظاهر القلب كان العبد محبا للآخرة وللدنيا ، وكان مرة مع اللّه ومرة مع نفسه ، فإذا دخل الإيمان إلى باطن القلب أبغض الدنيا وهجر هواه ، فإذا كانت هذه الخواطر من أواسط الهداة وهي الملك والروح كانت تقوى وهدى ورشدا ، وكانت من خزائن الخير ومفتاح الرحمة قدحت في قلب العبد نورا وطيبا أدركته الحفظة وهم أملاك اليمين فأثبتوها حسنات ؟ وإن كانت الخواطر عن أواسط الغواة وهم العدوّ والنفوس كانت فجورا وضلالا وهم من خزائن الشر ومغالق الأعراض قدحت في القلب ظلمة ونتنا أدرك ذلك الحفظة من أملاك الشمال فكتبوها سيئات ، فهذه منقادة لأمره وهو تعالى قادر على كل شيء ، بيده كل شيء ، حكيم في كل شيء ، والعبد ضعيف عاجز جاهل ساكن لا يقدر على شيء ، قد ابتلي بالأسباب ووقع عليه الحجاب وجعل مكانا للأحكام بالعقاب والثواب ، فالأسباب أواسط البلاء والعبد موضع الابتلاء ، واللّه هو المبلي المريد المبديء المعيد ، وينشئكم فيما لا تعلمون وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا ، وليس يشهد العبد إلا ما أشهد ، فكذلك تفاوت العباد في المشاهدة ولا يستبين له إلا ما أبين له وأريد به ، فعن ذلك اختلفوا في الأدلة ، فإذا أراد اللّه سبحانه إظهار شيء من خزائن الغيب حرك النفس بلطيف القدرة ، فتحركت بإذنه فقدح من جوهرها بحركتها ظلمة نكتت في القلب همة سوء ، فينظر العدو إلى القلب وهو مراصد ينتظر ، والقلوب له مبسوطة ، والنفوس لديه منشورة يرى ما فيها مما كان من عمله المبتلى به المصرف فيه ، فإذا رأى همة قد قدحت من النفس فأثرت ظلمة في القلب ظهر مكانه فقوي بذلك سلطانه . والهمة ترد على أحد ثلاثة معان : أحدها : هوى وهو عاجل حظ النفس وأمنيته وهذا عن الجهل الغريزي ، ودعوى حركة أو سكون وهو آفة العقل ومحنة القلب ، فأي هذه الثلاث قدح في القلب فهو وسوسة نفس وحضور عدد منسوب إليها محكوم عليه بالذم ليست تصدر إلا بأحد ثلاثة أصول : بجهل ، أو غفلة ، أو طلب فضول دنيا وهي مما لا تعني ومضافات إلى الدنيا وأعمالها ، فالأصل مجاهدة النفس والعدو عن إمضائها وحبس الجوارح عن السعي فيها ان كن من فضول الدنيا المباحات ، فإن كن هذه الثلاث وردن بمحرمات فعرض عليه كف الجوارح عن السعي فيها ، فإن أمرح قلبه في ذكرها أو نشر خطواته في طلبها كن حجابا بين قلبه وبين اليقين ، وإن كن وردن بمباحات ففضل له نفيها عن قلبه كيلا يكون قلبه موطنا للفضلات وأصلهن الابتلاء من اللّه تعالى والتقليب والامتحان منه في التصريف ، فإن أراد اللّه تعالى سعادة هذا العبد بعد أن أشفى على الهلاك والبعد بتسليط العدوّ عليه وتسويل النفس له نظر القلب عند الابتلاء بهوى النفس بنور إيمانه إلى اللّه تعالى ، وأسر الالتجاء إليه وأخفى التوكل عليه عائذا لائذا به واضطر مخلصا له ، فهناك توكل عليه فكان حسيبه ، ووقى مكر عدوّه وجعل له مخرجا ونجاه من شره ، فينظر إليه تعالى إلى القلب نظرة تخمد النفس وتمتحي الهمة وتخيف العدوّ لسقوط مكانه ويذهب لخنوسه شر سلطانه فيصفو