شرح
يجده إلا عارف أو خائف أو محب ، ومن سوى هؤلاء فبحاله محجوب ، وبعباداته مطلوب وإلى مقامه ناظر ، وفي طريقه بمعقوله سائر ، فأما العارفون المواجهون بعين اليقين الكاشفون بعلم الصديقين ، فإنهم مسيرون محمولون سابقون مستهترون ظاهر أوصافهم الإصلاح ، وأوّل عطائهم اندراج ذكرهم في ذكره ومشاهدتهم وصف التحقيق بعين اليقين إلى عين اليقين ، فأوّل نصيبهم من مطلوبهم على اليقين ، وهو صفاء المعرفة باللّه عز وجل ، وآخر علم الايمان أوّل علم اليقين وهو مشاهدة وصف ، وهذه وجهة التوحيد ولا آخر لأوّل عين اليقين ، ولا انقطاع لآخر نصيبهم من مشاهدتهم ، وظاهر التوحيد توحيد اللّه سبحانه في كل شيء وتوحيده لكل شيء ومشاهدة إيجاده قبل كل شيء ، ولا نهاية لعلم التوحيد ، ولا غاية لمزيد عطاء الموحدين ، ولكن لهم نهايات يوقفون تحتها وغايات يصدرون عنها ، فجعل أماكن لمزيدهم ويزدادون في وسعها ويمدون بعلوم يطلبون بها ما يكاشفون به لما وراءها أبد الأبد بلا آخر ولا أمد ولا يصل العبد إلى مشاهدة علوم التوحيد إلا بعلم المعرفة ، وهو نور اليقين ولا يعطى نور اليقين حتى يمخض الجوارح بأعمال الصالحات كما يمخض الزق باللبن حتى تظهر الزبدة وهو علم اليقين ، فليست هذه الزبدة غاية الطالبين ولا بغية الصديقين لأن وراءها صفوها وخالصها ، ثم تذاب هذه الزبدة حتى يخلص سمنها وهو صفوها ونهايتها ، وهذا مثل لعين اليقين بعد علمه وبعد مشاهدته الوجه بمرآة القرب وهي نوره ، فحينئذ لا يفارقه وجوده وحضوره فيرجع العبد من خواطر اليقين إلى مشاهدة الصفات بعد ذوق علوم الخواطر يتجوهر نور شعاع وجه الذات ، وهذا مقام الاحسان .
فصل
قال بعض العارفين : لي قلب إذا عصيته عصيت اللّه تعالى يعني أنه لا يقدح فيه إلا طاعة ولا يعتريه إلا حق ، فقد صار رسول اللّه تعالى إليه ، فإذا عصاه فقد عصى المرسل بمعنى الخبر : الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل ، وبقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « المؤمن ينظر بنور اللّه تعالى فمن نظر بنور اللّه تعالى كان على بصيرة من اللّه تعالى وكان علمه بنوره طاعة له » . وقال بعض العارفين : منذ عشرين سنة ما سكن قلبي إلى نفسي ساعة وما ساكنته طرفة عين .
فصل
خاطر اليقين والروح والملك من خزائن السماوات ، وخواطر العقل والنفس والعدو من خزائن الأرض ، كما قيل : النفس ترابية خلقت من الأرض فهي تميل إلى التراب ، والروح روحاني خلقت من الملكوت فهي ترتاح إلى العلو ، والقلب خزانة من خزائن الملكوت مثله كالمرآة تقدح فيه هذه الخواطر عن أواسطها من خزائن الغيب ، فتؤثر في القلب فيتلألأ فيه التأثير ، فمنها ما يقع في سمع القلب فيكون فهما ، ومنها ما يقع في بصر القلب فيكون كلاما وهو الذوق ، ومنها ما يقع في شم القلب فيكون علما وهو العقل ، وهذا أقلها لبثا وأيسرها عناء وما وقع في باطن القلب فيكون