تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 575

مساهمون:

ص٥٧٥
شرح
وموضعه من اليقين حجر النار . الثاني : العلم ومكانه موضع الزناد . والثالث : العقل وهو مكان الحراق ، فإذا اجتمعت هذه الأسباب قدح خاطر اليقين في القلب ، ومثل القلب في قوته بقوة مراده وفي صفائه بجودة عدّوه مثل المصباح في القنديل . الماء مكان العقل منه والزيت موضع العلم به وروح المباح ، وبمدده يكون ظهور اليقين ، والفتيلة مكان الإيمان منه هو أصله واقوامه الذي يظهر به ، فعلى قدر قوّة الفتيلة وجودة جوهرها يقوى اليقين ، وهو مثل الإيمان في قوّته بالورع وكماله بالخوف ، وعلى مقدار صفاء الزيت ورقته واتساعه تضيء النار التي هي اليقين ، وهو مثل العلم في مداده بالزهد وفقد الهوى ، فصار العلم مكانا للتوحيد فتمكن الموحد في التوحيد على قدر المكان ، فكلما اتسع القلب بالعلم باللّه تعالى وزهد في الدنيا ازداد إيمانا وعلا ، ثم يشهد كل ما أمر به فيكون بذلك يقينه وسعة مشاهدته ، وكلما قصر علم القلب باللّه وبمعاني صفاته وأحكام ملكوته قلّ إيمانه ، ثم اشهد ما أمر به من وراء حجاب لما غابت عليه قدحت الأسباب وسمع الكلام من خلف ستر لعجزه عن المسارعة إلى البر فيضعف بذلك إيمانه وتختل مشاهدته ولا يتحقق . فصل كل قلب اجتمع فيه ثلاثة معان لم تفارقه خواطر الهوى ، وهو : الجهل والطمع وحب الدنيا ، ثم يضعف خاطر الهوى ويقوى على قدر ضعف هذه الثلاثة وقوّتها ، ويظهر الهوى في القلب ويخفى على قدر تمكن هذه الثلاثة من النفس وخفائها على مثل ما ذكرناه من تمكن خواطر اليقين وضعفها لوجود مكانها ، وهو العلم والإيمان والعقل ، وفي القلب يظهر سلطان ذلك أجمع فأي جند كانت المشيئة معه غلب . فصل من خواطر النفس ما يرد بشيء لا تظهر دلائله في الظاهر لخفائه وغموض شواهده ، فليس يعلم إلا بباطن العلم وغامض الفهم والغوص على لطائف معاني التبيين وباطن الاستنباط من فهم التنزيل وتعليم التأويل ، فأهل اليقين العارفون بأحكام اللّه الباطنة يعلمون تفصيل خواطر اليقين ومقتضاها من حيث أشهدوا مطلعها من الغيب ، وبحيث عرفوا موجبها من الوصف بنور اللّه الثاقب وقربه الحاضر وسلطانه النافذ . فصل وليس يكاد علم اليقين يقدح من معدن العقل ، لأن علوم العقل مخلوقات ولا يكاد ينتجه الفكر ولا يخرجه التدبر ، فما أنتجته الافكار واستخرجته الفطن من الخواطر والعلوم ، فلتلك علوم العقل وهي كشوف المؤمنين ومحمودات لأهل الدين ، فأما خاطر اليقين فإنه يظهر من عين اليقين يبادأ به العبد مبادأة وتتبعه مفاجأة وله مخصوص به مراد مقصود به محبوب متولى به مطلوب لا
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 575 | مرتضى الزبيدي