شرح
وموضعه من اليقين حجر النار . الثاني : العلم ومكانه موضع الزناد . والثالث : العقل وهو مكان الحراق ، فإذا اجتمعت هذه الأسباب قدح خاطر اليقين في القلب ، ومثل القلب في قوته بقوة مراده وفي صفائه بجودة عدّوه مثل المصباح في القنديل . الماء مكان العقل منه والزيت موضع العلم به وروح المباح ، وبمدده يكون ظهور اليقين ، والفتيلة مكان الإيمان منه هو أصله واقوامه الذي يظهر به ، فعلى قدر قوّة الفتيلة وجودة جوهرها يقوى اليقين ، وهو مثل الإيمان في قوّته بالورع وكماله بالخوف ، وعلى مقدار صفاء الزيت ورقته واتساعه تضيء النار التي هي اليقين ، وهو مثل العلم في مداده بالزهد وفقد الهوى ، فصار العلم مكانا للتوحيد فتمكن الموحد في التوحيد على قدر المكان ، فكلما اتسع القلب بالعلم باللّه تعالى وزهد في الدنيا ازداد إيمانا وعلا ، ثم يشهد كل ما أمر به فيكون بذلك يقينه وسعة مشاهدته ، وكلما قصر علم القلب باللّه وبمعاني صفاته وأحكام ملكوته قلّ إيمانه ، ثم اشهد ما أمر به من وراء حجاب لما غابت عليه قدحت الأسباب وسمع الكلام من خلف ستر لعجزه عن المسارعة إلى البر فيضعف بذلك إيمانه وتختل مشاهدته ولا يتحقق .
فصل
كل قلب اجتمع فيه ثلاثة معان لم تفارقه خواطر الهوى ، وهو : الجهل والطمع وحب الدنيا ، ثم يضعف خاطر الهوى ويقوى على قدر ضعف هذه الثلاثة وقوّتها ، ويظهر الهوى في القلب ويخفى على قدر تمكن هذه الثلاثة من النفس وخفائها على مثل ما ذكرناه من تمكن خواطر اليقين وضعفها لوجود مكانها ، وهو العلم والإيمان والعقل ، وفي القلب يظهر سلطان ذلك أجمع فأي جند كانت المشيئة معه غلب .
فصل
من خواطر النفس ما يرد بشيء لا تظهر دلائله في الظاهر لخفائه وغموض شواهده ، فليس يعلم إلا بباطن العلم وغامض الفهم والغوص على لطائف معاني التبيين وباطن الاستنباط من فهم التنزيل وتعليم التأويل ، فأهل اليقين العارفون بأحكام اللّه الباطنة يعلمون تفصيل خواطر اليقين ومقتضاها من حيث أشهدوا مطلعها من الغيب ، وبحيث عرفوا موجبها من الوصف بنور اللّه الثاقب وقربه الحاضر وسلطانه النافذ .
فصل
وليس يكاد علم اليقين يقدح من معدن العقل ، لأن علوم العقل مخلوقات ولا يكاد ينتجه الفكر ولا يخرجه التدبر ، فما أنتجته الافكار واستخرجته الفطن من الخواطر والعلوم ، فلتلك علوم العقل وهي كشوف المؤمنين ومحمودات لأهل الدين ، فأما خاطر اليقين فإنه يظهر من عين اليقين يبادأ به العبد مبادأة وتتبعه مفاجأة وله مخصوص به مراد مقصود به محبوب متولى به مطلوب لا