أغوار علوم المعاملة وأسرارها لينتفع بها من لا يقنع بالظواهر ولا يجتزي ، بالقشر عن اللباب ، بل يتشوّق إلى معرفة دقائق حقائق الأسباب ، وفيما ذكرناه كفاية له ومقنع إن شاء اللّه تعالى واللّه ولي التوفيق .
تم كتاب عجائب القلب وللّه الحمد والمنة ، ويتلوه كتاب رياضة النفس وتهذيب الأخلاق ، والحمد للّه وحده وصلى اللّه على كل عبد مصطفى .
شرح
ما يحتاج إليه لمعرفة أغوار علوم المعاملة وأسرارها لينتفع بها من لا يقنع بالظواهر ) بل يتطلع إلى ما وراءها من الأسرار ، ( ولا يجتزىء ) أي لا يكتفي ( بالقشور عن اللباب بل يتشوّق إلى معرفة دقائق الأسباب ، وفيما ذكرنا كفاية له ومقنع إن شاء اللّه تعالى ) . وهذا آخر كتاب عجائب القلب وقد ألحقت به فصولا مما يناسب ذكره في هذا الباب هي كالمتممات له ، وذلك مما اقتطفته من كتابي قوت القلوب ، وعوارف المعارف وغيرهما مما تيسر لي الوقوف عليه ، وقد أعزو ما نقلته من غيرها .
فصل
كون خاطر العقل تارة مع النفس والعدوّ ، وتارة مع الروح والملك فيه حكمة من اللّه تعالى لصنعته واتقان لصنعه ليدخل العبد في الخير والشر بوجود معقول وصحة شهود وتمييز ، فتكون عاقبة ذلك من الجزاء أو العقاب عائدا له وإليه . إذ جعل سبحانه هذا الجسم مكانا لجواز أحكامه ومحلا لنفاذ مشيئته في مباني حكمته ، كذلك جعل العقل مطية للخير والشر يجري معهما في خزانة الجسم إذ لو كان مكانا للتكليف وموضعا للتصريف وسببا للتعريف العائد من معاني ذلك على صورة العبد من لذة نعيم أو عذاب أليم ، فلم يكن العقل غائبا فيكون العبد عن الفعل ذاهبا ، ولم تكن الشهوة عازبة فتكون النفس مفقودة إذ في ذلك تضعيف لحجة اللّه ووهن لبرهانه ، لأن الفعل شاهد الحجة والشهود في النفس والنية في القلب طريق المحجة ، وذلك أصل عود جزاء الأمر والنهي ، فالعقل مطبوع على التمييز مجبول على التحسين والتقبيح ، والنفس مجبولة على الشهوة ومطبوعة على الأمر بالهوى ، وهذا نصيبهما من إعطائه وهواه لهما إلى رشاده وإغوائه وحظهما من الكتاب وقسمها من ولي الأسباب ، كما قال تعالى في أحكام ما ذكرناه تكملة لما أخبرنا عما سبق في عمله :أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى[ طه : 50 ] وقال تعالى :أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ[ الأعراف : 37 ] وقال تعالى :كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ[ الحج : 4 ] .
فصل
كل قلب اجتمع فيه ثلاثة معان لم تفارقه خواطر اليقين ، ولكن يضعف الخاطر ويخفى لضعف المعاني ودقتها ، ويقوى اليقين ويظهر بقوتها لأن هذه الثلاث مكان اليقين . أحدها : الإيمان