تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 573

مساهمون:

ص٥٧٣
الجنة وخلق لها أهلا فاستعملهم بالطاعة ، وخلق النار وخلق لها أهلا فاستعملهم بالمعاصي ، وعرف الخلق علامة أهل الجنة وأهل النار فقال :
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ
[ الانفطار : 13 ، 14 ] ثم قال تعالى فيما روي عن نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم : « هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي » فتعالى اللّه الملك الحق
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
[ الأنبياء : 23 ] ولنقتصر على هذا القدر اليسير من ذكر عجائب القلب فإن استقصاءه لا يليق بعلم المعاملة ، وإنما ذكرنا منه ما يحتاج إليه لمعرفة
شرح
الهادي هو المضل فمن يهدي ، وقد قال اللّه تعالى :فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ[ النحل : 37 ] أي فإن اللّه تعالى من شأنه أن أحدا لا يهدي من أضله ، ومن كان أضله اللّه تعالى في سابق علمه فكيف يهديه الآن ؟ فإذا كان المعطي هو المانع فمن يعطي ؟ ولو كان الخير كله في قلب عبد ما قدر أن يوصل إلى قلبه من قلبه ذرة ولا قدر أن ينفع نفسه بنفسه خردلة لأن قلبه وإن كان جارحة فهو خزانته وله فيه ما لا يعلم هو فهو لا يطلع على ما في قلبه ، فكيف به أن يملك ما فيه فيصرفه بما يحب فإذا كان المالك عزيزا واجبا ، وكان كل شيء بيده لم يوصل إلى ما عنده بقوّة ولا حيلة ، فليس الطريق إليه إلا الصدق والإخلاص والذل والافتقار . ( لا رادّ لحكمه ولا معقب لقضائه خلق الجنة وخلق لها أهلا فاستعملهم بالطاعة ) ويسرّ لهم أسبابها ، ( وخلق النار وخلق لها أهلا فاستعملهم بالمعاصي وعرف الخلق علامة أهل النار و ) علامة ( أهل الجنة فقال :إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍثم قال تعالى : فيما يروى عنه نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم « هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي » ) قال العراقي : رواه أحمد وابن حبان من حديث عبد الرحمن بن قتادة السلمي ، وقال ابن عبد البر في الاستيعاب انه مضطرب الإسناد اه . قلت : وأخرج البزار والطبراني وابن عساكر من حديث أبي الدرداء « خلق اللّه آدم فضرب كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضاء كأنهم اللبن ثم ضرب كفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم اللحم فقال للذين على يمينه هؤلاء في الجنة ولا أبالي وقال للذين على يساره هؤلاء في النار ولا أبالي » . ( فتعالى اللّه الملك الحق ) لا إله إلا هو كل ذلك من خالق النفس ومسوّيها وجبار القلوب ومقلبها حكمة منه وعدلا لمن شاء ومنّة وفضلا لمن أحب ، كما قال تعالى :وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ[ الأنعام : 115 ] أي الهداية والإضلال صدقا لأوليائه ما وعدهم من الثواب وعدلا على أعدائه ما أعدلهم من العقاب ، ثم قال تعالى : (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَولنقتصر على هذا القدر اليسير من ذكر عجائب القلب ، فإن استقصاءه لا يليق بعلم المعاملة ، وإنما ذكرنا منه