تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 571

مساهمون:

ص٥٧١
حزب إلى حزب ، أما الثبات على الدوام مع حزب الملائكة أو مع حزب الشيطان فنادر من الجانبين . وهذه الطاعات والمعاصي تظهر من خزائن الغيب إلى عالم الشهادة بواسطة خزانة القلب فإنه من خزائن الملكوت وهي أيضا إذا ظهرت كانت علامات تعرف أرباب القلوب سابق القضاء فمن خلق للجنة يسرت له أسباب الطاعات ومن خلق للنار يسرت له أسباب المعاصي ، وسلط عليه أقران السوء وألقي في قلبه حكم الشيطان فإنه بأنوع الحكم يغرّ الحمقى بقوله : إن اللّه رحيم فلا تبال وان الناس كلهم ما يخافون اللّه فلا تخالفهم ، وإن العمر طويل فاصبر حتى تتوب غدا
يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ
شرح
فالتقلب والانتقال من شأن القلب هذا هو الأصل . ( أما الثبات على الدوام مع حزب الملائكة أو حزب الشياطين فنادر من الجانبين ) قليل الوقوع . واعلم أن أعمال العباد لا تخلو عن ثلاثة أنواع : فرض ونفل ومعصية . فالفرض : بأمر اللّه تعالى ومحبته ومشيئته تجتمع هذه المعاني الثلاث في الفرائض ، والنفل : بأمر اللّه تعالى إلا أنه لم يوجبه ولم يعاقب على تركه ولكن بمحبته تعالى ، والمعصية : بمشيئته إلا أنه قد كرهها إذا لم يأمر بها ولم يندب إليها ، ولكن بمشيئته إذ لا يخرج شيء عن إرادته كما لا يخرج شيء عن علمه والإرادة والمشيئة اسمان لمعنى واحد قد دخل كل شيء فيهما كما دخل كل شيء في العلم . قال تعالىفَعَّالٌ لِما يُرِيدُ[ هود : 107 ] فهو عالم بما أراده ، كذلك هو مريد لما علمه أظهرت ارادته سابق علمه وكشف علمه الغيب ظهور ارادته الشهادة ، فالغيب علمه ، والشهادة معلومة . فكيف يخالف المعلوم العلم وهو إجراء ما ينفذ ارادته سابق علمه في معلومات خلقه ، وهذا فرض التوحيد . فخرجت النوافل عن الأمر وخرجت المعاصي عن المحبة في تفصيل الأحكام ولم تخرج معصية عن مشيئته ، فإذا عرفت ذلك فاعلم أن ( هذه الطاعات والمعاصي تظهر من خزائن الغيب إلى عالم الشهادة بواسطة خزانة القلب ، فإنه من خزائن الملكوت وهي إذا ظهرت كانت علامات ) وأمارات ( تعرف أرباب القلوب سابق القضاء ، فمن خلق للجنة يسرت له الطاعة وأسبابها ، ومن خلق للنار يسرت له أسباب المعصية وسلط عليه أقران السوء وألقي في قلبه حكم الشيطان ) وإذا كانت الأشياء بعلمه جاريات جعل تسليط العدوّ بسلطانه كشفا وإظهارا لما أخفاه من سابق علمه كما جعل أفعال العباد الظاهرة كشفا وإظهارا لارداته الباطنة ، وورد في بعض الأخبار سبق العلم وجف القلم وقضى القضاء وتم القدر بالسعادة من اللّه عز وجل لأهل طاعته ، وبالشقاء من اللّه تعالى لأهل معصيته . كذا نقله صاحب القوت . وروى الطبراني في الكبير من حديث ابن عباس « اعملوا فكل ميسر لما خلق له » ( فإنه ) أي الشيطان ( بأنواع الحكم يغر الحمقى ) أي يوقعهم في الغرور ( كقوله : إن اللّه ) غفور ( رحيم فلا تبال ) مما صنعت ( فإن الناس كلهم ما يخافون اللّه فلا تخالفهم ، وإن العمر طويل ) والأجل بعيد ( فاصبر ) اليوم واعمل خلاصك فيه ( حتى تتوب غدا ) . ولفظ القوت والخاطر بعد الهمة هو ظهور العدوّ على
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 571 | مرتضى الزبيدي