له مستقرا ومهبطا ، فعند ذلك يمده بجنود لا ترى ويهديه إلى خيرات أخرى حتى ينجر الخير إلى الخير ، وكذلك على الدوام ولا يتناهى إمداده بالترغيب بالخير وتيسير الأمر عليه . وإليه الإشارة بقوله تعالى :
فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى
[ الليل : 5 - 7 ] وفي مثل هذا القلب يشرق نور المصباح من مشكاة الربوبية حتى لا يخفى فيه الشرك الخفي الذي هو أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء ، فلا
شرح
ومهبطا ) لتنزلاته ، ( فعند ذلك يمده بجنود ) معنوية ( لا ترى وبهداية إلى خيرات أخرى ) تتراءى ( حتى ينجر الخير إلى الخير و ) هلم جرا ، ( كذلك على الدوام لا يتناهى إمداده بالترغيب في الخير ) في كل لحظة ( ويتسير الأمر عليه ) في كل حركة وسكون ولفظ القوت :
وإن أراد اللّه تعالى إظهار خير وإلهام تقوى من خزائن الملكوت حرس الروح بخفي اللطف فتحرك بأمره تعالى فقدح من جوهرها نورا ساطعا في القلب فظهرت همة عالية وهمة الخير ترد بأحد ثلاثة معان لا تحصى فروعها ، لأن همة كل عبد في الخير مبلغ علمه ومنتهى مقامه ، فأحد الأصول مسارعة إلى أمر بفرض أو ندب لفضل يكون عن عمل حال العبد أو علم يكون مظنة له أظهر عليه من مكاشفة غيب من ملك أو ملكوت ، والمعنى الثالث تحمل مباح من تصرف فيما يعني بما يعود صلاحه عليه أو استراحة للنفس بما أبيح له يكون نفعه لغيره أو ترويحات من الأفكار القلبية تكون حملا لكربه وتخفيفا لثقله . فهذه مرافق للعبد وفي كلها رضاه تعالى ، فامضاؤها أفضل للعبد وبعضها أفضل من بعض ، فإذا أراد اللّه إظهار خير من خزانة الروح حركها فسطعت نورا في القلب ، فاثرت فينظر الملك القلب فيرى ما أحدث اللّه فيه فيظهر مكانه فيتمكن ، والملك مجبول على الهداية مطبوع على حب الطاعة فيلقي الإلهام وهو حضوره على القلب بقدح خواطره يأمر بتنفيذ ذلك ويحسنه له ويحثه عليه وهذا هو الهام التقوى والرشد ، وينظر الملك إلى اليقين فيشهد للملك بذلك ، فيطمئن العقل ويسكن إلى شهادة اليقين فيصير مع الملك فينشرح الصدر لطمأنينة العقل فتظهر أدلة العلم لانشراح الصدر ، فيقوى سلطان اليقين لصفاء الإيمان وتندرج ظلمة الهوى في أنوار اليقين ، وتنطفىء شعلة الشهوة لظهور نور الإيمان وزينة الحياء فتضعف صفات النفس بسقوط الشهوة ، ويقوى القلب لضعف النفس ويزيد الإيمان بقوة اليقين وظهور أدلة العلم ، فتغلب الهداية لمزيد الإيمان وسعة الحياء فتظهر الطاعة لغلبة الحق :وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ[ يوسف : 21 ] ( وإليه الإشارة بقوله تعالى :فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى) فالإعطاء إشارة إلى تزكية العمل ، والاتقاء هو عمارة القلب بالتقوى والتصديق بالحسنى . ( وفي مثل هذا القلب يشرق نور المصباح من مشكاة الربوبية ) ، فالقلب بمنزلة القنديل وعلى قدر رقته ولطيف جوهره وصفائه عن كدره وحسن طهارته عن الأكدار تكون العلوم الحسنة فيه والأنوار ، وجوهر الزجاجة يحتاج إلى صفاء الماء ، كما أن صفاء الماء يحتاج إلى صفاء الجوهر ، ومعيارهما يكون القلب والعقل ووقود النار يحتاج إلى قوة الفتيلة فموضعهما في القوة يكون العلم باللّه تعالى واليقين ، ( حتى لا يخفي فيه الشرك الخفي الذي