إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 564
وعجائب صنع اللّه تعالى في تقليبها من حيث لا تهتدي إليه المعرفة لا يعرفها إلا المراقبون والمراعون لأحوالهم مع اللّه تعالى . والقلوب في الثبات على الخير والشر والتردد بينهما ثلاثة : قلب عمر بالتقوى وزكا بالرياضة وطهر عن خبائث الأخلاق تنقدح فيه خواطر الخير من خزائن الغيب ومداخل الملكوت فينصرف العقل إلى التفكر فيما خطر له ليعرف دقائق الخير فيه ، ويطلع على أسرار فوائده فينكشف له بنور البصيرة وجهه فيحكم بأنه لا بدّ من فعله فيستحثه عليه ويدعوه إلى العلم به وينظر الملك إلى القلب فيجده طيبا في جوهره طاهرا بتقواه مستنيرا بضياء العقل معمورا بأنوار المعرفة فيراه صالحا أن يكون الموحدين في القدر بالقليب كمثل ريشة في ريح عاصف تقلبه القدرة على مشيئة القادر تعالى ، وليس في القدرة ترتيب ولا مسافة ولا بعد ، ولا يحتاج إلى زمان ولامكان ، فما ظهر من الملك وثبت للعيون بمكان وزمان فلأجل الحكمة والصنع والاتقان وما خفي من الملكوت وتقلب ببصائر القلوب فبلطف القدرة وقهر السلطان ونصيب كل عبد من مشاهدة القدرة بقدر نصيبه من التوحيد حسب قسمه من اليقين . ( وهذه التقليبات وعجيب صنع اللّه في تقليبها من حيث لا يهتدي إليه لا يعرفه إلا المراقبون لقلوبهم والمراعون لأحوالهم مع اللّه تعالى ) . ( والقلوب في الثبات على الخير والشر والترديد بينهما ثلاثة ) : أحدها : ( قلب عمر بالتقوى وزكي بالرياضة وطهر عن خبائث الأخلاق ) والترتيب في هذا المقام غير مراعي ، فإن التطهير عن الخبائث هو أول ما يكون ثم التزكية بالرياضة ثانيا ، فالذي ينتج عنهما عمارة القلب بالتقوى فهو آخر المراتب جعله أولا أو يكون المراد بعمارته بالتقوى الاتقاء من الشرك المضاد للتوحيد ، ثم التزكية بالرياضة هو أعمال الجوارح ثم التطهير عن الخبائث هو انشراحه بنور اليقين حسبما قسم له . ( تنقدح فيه خواطر الخير ) وهي التي ترد من اللّه تعالى بواسطة الملائكة ( من خزائن الغيب ومداخل الملكوت ) الأعلى ، ( فينصرف العقل إلى التفكر فيما خطر ليعرف دقائق الخير فيه ويطلع على أسرار فوائده ، فينكشف له بنور البصيرة وجهه ) ويتبين له أمره ( فيحكم بأنه لا بد من فعله ويستحث عليه ويدعو إلى العمل به ) وهذا القلب هو المتطلع إلى الروح العلوي الميال إليه وهو القلب المؤيد الذي ورد فيه أنه أجرد فيه سراج يزهر ، ( فينظر الملك إلى ) هذا القلب ( فيجده طيبا في جوهره ) أي في تكونه في أصل خلقته عند سكون الروح إلى النفس ( طاهرا بتقواه مستنيرا بضياء العقل معمورا بأنواع المعرفة ) مغمورا بأنوار اليقين ، ( فيراه صالحا لأن يكون مستقرا له