والأحوال من الأبواب التي وصفناها ، فكأنه هدف يصاب على الدوام من كل جانب ، فإذا أصابه شيء يتأثر به أصابه من جانب آخر ما يضاده فتتغير صفته ، فإن نزل به الشيطان فدعاه إلى الهوى نزل به الملك وصرفه عنه ، وإن جذبه شيطان إلى شر جذبه به شيطان آخر إلى غيره ، وإن جذبه ملك إلى خير جذبه آخر إلى غيره ، فتارة يكون متنازعا بين ملكين وتارة بين شيطانين ، وتارة بين ملك وشيطان ولا يكون قط مهملا
شرح
والأحوال ) المختلفة ( من الأبواب التي وصفناها فكأنه هدف يصاب على الدوام من كل جانب ، فإذا أصابه شيء يتأثر به أصابه من جانب آخر ما يضاده فتغير وصفه ، فإن نزل الشيطان به فدعاه إلى الهوى نزل الملك به وصرفه عنه ، وإن جذبه شيطان إلى شر جذبه شيطان آخر إلى غيره ، وإن جذبه ملك إلى خير جذبه آخر إلى غيره ، فتارة يكون متنازعا بين ملكين ، وتارة بين شيطانين ، وتارة بين ملك وشيطان ولا يكون قط مهملا ) فالخواطر الواردة على القلب أربعة : خاطر ملكي ، وخاطر شيطاني وهما الأصلان المفهومان من حديث اللمتين المتقدم ذكره قريبا ، وخاطر روحي وخاطر نفسي وهما الفرعان . وفي كلام بعضهم أن حركة النفس والروح هما الموجبتان للمتين . والصحيح أن اللمتين تتقدمان على حركة الروح والنفس ، فحركة الروح من لمة الملك والهمة العالية من حركة الروح ، وهذه الحركة من الروح ببركة لمة الملك ، وحركة النفس من لمة الشيطان ، ومن حركة النفس الهمة الدنيئة وهي شؤم لمة الشيطان ، فإذا وردت اللمتان ظهرت الحركتان وظهر سر العطاء والابتلاء من معط كريم ومبتل حكيم ، وقد تكون هاتان اللمتان متداركتين وينمحي أثر أحدهما بالآخر كما تقدم بيانه قريبا .
والمتفطن المتيقظ ينفتح عليه بمطالعة وجود هذه الآثار في ذاته من باب أنس ويبقى أبدا مفتقدا حاله مطالعا آثار اللمتين ، وذكروا خاطرين آخرين : خاطر العقل وخاطر اليقين ، فخاطر العقل متوسط بين الخواطر الأربعة يكون مع النفس والعدو لوجود التمييز وإثبات الحجة على العبد ليدخل العبد في الشيء بوجود عقلي . إذ لو فقد العقل سقط العتاب والعقاب ، وقد يكون مع الملك والروح ليوقع الفعل مختارا ويستوجب به الثواب . وقد تقدمت الإشارة إلى أنه ليس من العقل خاطر على الاستقلال ، وإنما أصله تارة من خاطر الملك وتارة من خاطر النفس ، وأما خاطر اليقين فهو روح الإيمان ومزيد اليقين وحاصله راجع إلى ما يرد من الحق سبحانه .
وقال صاحب القوت جمل الخواطر ستة : هي حدود القلب وقوادحه من ورائها خزائن القلب وملكوت القدرة وهي جنود اللّه تعالى ، والقلب خزانة من خزائن الملكوت وقد أودعه قبله من لطائف الرغبوت والرهبوت وشعشع فيه من أنوار العصمة والجبروت ، فأول التفصيل خاطر النفس وخاطر العدو ، وهذان لا يعدمهما عموم المؤمنين وهما مذمومان محكوم لهما بالسواء لا يردان إلا بالهوى وصد العلم وخاطر الروح وخاطر الملك ، وهذان لا يعدمهما خصوص المؤمنين وهما محمودان لا يردان إلا بحق ، وبما دل عليه العلم وخاطر العقل متوسط بين هذه الأربعة يصلح للمذمومين