ينضي شيطانه كما ينضي أحدكم بعيره في سفره » وقال ابن مسعود : شيطان المؤمن مهزول .
وقال قيس بن الحجاج : قال لي شيطاني ، دخلت فيك وأنا مثل الجزور وأنا الآن مثل العصفور ، قلت : ولم ذاك ؟ قال : تذيبني بذكر اللّه تعالى . فأهل التقوى لا يتعذر عليهم سدّ أبواب الشيطان وحفظها بالحراسة ، أعني الأبواب الظاهرة والطرق الجلية التي تفضي إلى المعاصي الظاهرة ، وإنما يتعثرون في طرقه الغامضة فإنهم لا يهتدون إليها فيحرسونها كما أشرنا إليه في غرور العلماء والوعاظ ، والمشكل أن الأبواب المفتوحة إلى القلب للشيطان كثيرة ، وباب الملائكة باب واحد ، وقد التبس ذلك الباب الواحد بهذه الأبواب الكثيرة فالعبد فيها كالمسافر الذي يبقى في بادية كثيرة الطرق غامضة المسالك في ليلة مظلمة فلا يكاد يعلم الطريق إلا بعين بصيرة وطلوع شمس مشرقة . والعين
شرح
إذلاله وجعله أسيرا تحت قهره وتصرفه ومن أعز سلطان اللّه أعزه اللّه وسلطه على عدوّه وحكم عكسه عكس حكمه ( كما ينضي أحدكم بعيره في سفره » ) لأن البعير يتجشم في سفره أثقال حمولته فيصير نضوا لذلك . رواه أحمد من حديث أبي هريرة وفيه ابن لهيعة قاله العراقي .
قلت ورواه كذلك ابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان ، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول .
( وقال ابن مسعود ) رضي اللّه عنه : ( شيطان المؤمن مهزول ) وذلك لأنه يتجشم أثقال غيظه منه لما يراه من الطاعة والوفاء للّه فيقف منه هزيلا ضعيفا ذليلا بمزجر الكلب عنه . ( وقال قيس بن الحجاج ) الكلاعي المصري صدوق مات سنة تسع وعشرين ومائتين ، روى له الترمذي وابن ماجة . ( قال لي شيطاني : دخلت فيك وأنا مثل الجزور ) وهي الناقة السمينة ( وأنا الآن مثل العصفور ) أي في غاية من النحافة والهزل . ( قلت : لم ) ذلك ؟ ( قال : تذيبني بذكر اللّه تعالى . فأهل التقوى لا يتعذر عليهم سد أبواب الشيطان وحفظها بالحراسة . أعني الأبواب الظاهرة والطرق الجلية ) أي الظاهرة ( التي تفضي إلى المعاصي الظاهرة ) أي توصل إليها لأن بالتقوى وجود خالص الذكر وبه ينفتح بابه ولا يزال العبد يتقي حتى يحمي الجوارح من المكاره ثم يحميها من الفضول ، وما لا يعنيه فتصير أقواله وأفعاله ضرورة ، ثم ينتقل تقواه إلى باطنه ويظهر الباطن ويقيده عن المكاره ، ثم عن الفضول ثم عن حديث النفس . ( وإنما يتعثرون في طرقه الغامضة ) الخفية ( لأنهم لا يهتدون إليها فيحرسونها كما أشرنا إليه في غرور العلماء والوعاظ ) فيما سيأتي إن شاء اللّه تعالى ، ( والمشكل أن الأبواب المفتوحة إلى القلب للشيطان كثيرة وباب الملائكة باب واحد ) من هذه الأبواب ، ( وقد التبس ذلك الباب الواحد بهذه الأبواب الكثيرة ) فلا يكاد يهتدي له ( والعبد فيها كالمسافر الذي يبقى في بادية كثيرة الطرق ) كثيرة المفارق ( غامضة المسالك في ليلة مظلمة ، فلا يكاد يعلم الطريق ) ولا يهتدي إلى مفرق يكون سلوكه ( إلا بعين بصيرة ) تدرك التمييز بين تلك الطرق ، ( أو طلوع شمس مشرقة )