تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 503

مساهمون:

ص٥٠٣
ذلك مداخل باطنه في التخيلات الجارية في القلب وذلك لا يدفع إلا بشغل القلب بذكر اللّه تعالى ، ثم إنه لا يزال يجاذب القلب وينازعه ويلهيه عن ذكر اللّه تعالى فلا بدّ من مجاهدته ، وهذه مجاهدة لا آخر لها إلا الموت إذ لا يتخلص أحد من الشيطان ما دام حيا . نعم يقوى بحيث لا ينقاد له ويدفع عن نفسه شره بالجهاد ، ولكن لا يستغني قط عن الجهاد والمدافعة ما دام الدم يجري في بدنه ، فإنه ما دام حيا فأبواب الشيطان مفتوحة إلى قلبه لا تنغلق وهي الشهوة والغضب والحسد والطمع والشر . وغيرها - كما سيأتي شرحها - ومهما كان الباب مفتوحا والعدو غير غافل لم يدفع إلا بالحراسة والمجاهدة . قال رجل للحسن يا أبا سعيد أينام الشيطان ؟ فتبسم وقال : لو نام لاسترحنا . فإذا لا خلاص للمؤمن منه . نعم له سبيل إلى دفعه وتضعيف قوّته . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن المؤمن
شرح
( يقلل مداخل الوسواس من الباطن ) إذ ما ذكر هو الذي كان سببا لدخول الوسوسة في القلب فإذا انسلخ عنه حفظ في حاله ، ( وتبقى مع ذلك مداخل باطنة من التخيلات الجارية في القلب ) لا يقوي الإنسان على دفعها عنه لانفعاله بها ، ( وذلك لا يدفع إلا بشغل القلب بذكر اللّه تعالى ) مع المراقبة عليه ، ( ثم إنه لا يزال يجاذب القلب وينازعه ) بواسطة النفس لما بينهما من المناغاة والمحادثة والتأليف فتتسلط عليه النفس فتنطلق في شيء بهواها من القول والفعل فيتأثر القلب لذلك ، ( و ) حينئذ ( يلهيه عن ذكر اللّه تعالى فلا بد من مجاهدته ) بأن يعود من مواطن مطالبات النفس ويقبل على ذكر اللّه ومحل مناجاته فيستنير القلب ويقبل على النفس معاتبا لها على متابعتها لهواها فتذل لذلك ، ( وهذه مجاهدة لا آخر لها إلا الموت إذ لا يتخلص أحد من الشيطان ما دام حيا ) فهو كالغريم الملازم الذي لا ينفك . ( نعم قد يقوى بحيث لا ينقاد له ويدفع عن نفسه شره بالجهاد ، ولكن لا يستغني قط عن الجهاد والمدافعة ما دام الدم يجري في بدنه ) وقد روى أحمد وأبو يعلى والحاكم من حديث أبي سعيد : إن الشيطان قال وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم ، فقال الرب وعزتي وجلالي أغفر لهم ما استغفروني ، ( فإنه ما دام حيا فأبواب الشر مفتوحة إلى قلبه لا تنغلق ، وهي الشهوة والغضب والحسد والطمع والشره وغيرها كما سيأتي شرحها ) في محالها ، ( ومهما كان الباب مفتوحا والعدوّ غير غافل ) بل يخشى منه الهجوم من هذا الباب ( لم يدفع إلا بالحراسة والمجاهدة ) . ( قال رجل للحسن ) البصري : ( يا أبا سعيد أينام الشيطان ؟ فتبسم وقال : لو نام استرحنا ) أشار إلى أنه هجام على قلب المؤمن غير غافل من مكايدته ، ( فإذا لا خلاص للمؤمن منه ) بوجه من الوجوه . ( نعم له سبيل إلى دفعه ) ومقاومته وكسر سورته ( وتضعيف قوته . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن المؤمن ) الكامل ( ينضي ) وفي لفظ لينضي أي يهزل ويضعف ( شيطانه ) لكثرة
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 503 | مرتضى الزبيدي