ومن هم المفردون يا رسول اللّه ؟ قال : « المتنزهون بذكر اللّه تعالى وضع الذكر عنهم أوزارهم فوردوا القيامة خفافا » ، ثم قال في وصفهم إخبارا عن اللّه تعالى فقال : « ثم أقبل بوجهي عليهم أترى من واجهته بوجهي يعلم أحد أي شيء أريد أن أعطيه ، ثم قال تعالى :
أوّل ما أعطيهم أن أقذف النور في قلوبهم فيخبرون عني كما أخبر عنهم » . ومدخل هذه
شرح
( قيل : ومن هم ؟ قال : ) « هم ( المستهترون بذكر اللّه » ) وفي رواية المستهرون في ذكر اللّه وعلى الأول فالمراد الذين أولعوا به . يقال : اهتر بفلان واستهتر فهو مستهتر أي مولع به لا يتحدث بغيره ولا يفعل سواه . وقال الحكيم الترمذي : المستهر هو الذي نطق من ربه يشبه كلامه كلام من لم يستعلمه عقله لأن العقل يخرج الكلام على اللسان بتدبير وتؤدة ، وهذا المهتر إنما نطقه كأنما يجري على لسانه حتى يشبه الهذيان في بعض الأحيان عند العامة وهو في الباطن مع اللّه من الأصفياء الناطقين اه .
( « وضع الذكر ) عنهم ( أوزارهم ) أي أثقالهم من ذنوبهم التي أثقلتهم ( فوردوا القيامة خفافا ) فيسبقون لأنهم جعلوا أنفسهم افرادا ممتازة بذكر اللّه عمن لم يذكر اللّه أو جعلوا ربهم فردا بالذكر وتركوا ذكر ما سواه وهو حقيقة التفريد ههنا . وقال الحكيم الترمذي : المفرد هنا من افرد قلبه للواحد في وحدانيته ولازم الباب حتى رفع له الحجاب ، وأوصله إلى قربه فكان بين يدي ربه وعبارة القوت ، فأما العارفون المواجهون بعين اليقين المكاشفون بعلم الصديقين ، فإنهم مسيرون محمولون سابقون مستهرون ، وقد وضعت الأذكار عنهم الأوزار كما جاء في الخبر « سيروا سبق المفردون » والمفردون أيضا بالفتح فهم مفردون للّه تعالى بما أفردهم اللّه عز وجل قيل : من المفردون ؟ قال « المستهترون بذكر اللّه وضع الذكر أوزارهم فوردوا القيامة خفافا » فلما أفردهم ممن سواهم له أفردوه عما سواه به تعالى بذكرهم فاستولى عليهم ذكره فاصطلم قلوبهم نوره تعالى ، فاندرج ذكرهم في ذكره ، وكان هو الذاكر بهم وكانوا هم المكان لمجاري قدرته فلا يوزن مقدار هذا الذكر ولا تكتب كيفية هذا البر فلو وضعت السماوات والأرض في كفة لرجح ذكره تعالى بهما .
( ثم قال ) صلّى اللّه عليه وسلّم ( في وصفهم « أقبل عليهم بوجهي أترى من واجهته بوجهي يعلم أحد أي شيء أريد أن أعطيه ؟ ثم قال : أوّل ما أعطيهم أن أقذف من نوري في قلوبهم فيخبرون عني كما أخبر عنهم » ) ولفظ القوت : وهم الذين قال لهم فترى من واجهته بوجهي يعلم أحد أي شيء أريد أن أعطيه لو كانت السماوات والأرضون في موازينهم لاستقللتها بهم أول ما أعطيهم أن أقذف من نوري فيخبرون عني كما أخبر عنهم . قال : وهذا هو ظاهر أوصافهم وأوّل عطائهم اه .
قال العراقي : رواه مسلم من حديث أبي هريرة مقتصرا على أول الحديث ، وقال فيه : « وما المفردون ؟ قال : الذاكرون اللّه كثيرا والذاكرات » . ورواه الحاكم قال « الذين يستهترون في ذكر اللّه » وقال : صحيح على شرط الشيخين وزاد فيه الترمذي « يضع الذكر عنهم أثقالهم فيأتون يوم القيامة