ولنرجع إلى الغرض المقصود فنقول : القلب قد يتصوّر أن يحصل فيه حقيقة العالم وصورته تارة من الحواس وتارة من اللوح المحفوظ ، كما أن العين يتصوّر أن يحصل فيها صورة الشمس تارة من النظر إليها وتارة من النظر إلى الماء الذي يقابل الشمس ويحكي صورتها . فمهما ارتفع الحجاب بينه وبين اللوح المحفوظ رأى الأشياء فيه وتفجر إليه العلم منه فاستغنى عنه الاقتباس من داخل الحواس ، فيكون ذلك كتفجر الماء من عمق الأرض . ومهما أقبل على الخيالات الحاصلة من المحسوسات كان ذلك حجابا له عن مطالعة اللوح المحفوظ كما أن الماء إذا اجتمع في الأنهار منع ذلك من التفجر في الأرض ، وكما أن من نظر إلى الماء الذي يحكي صورة الشمس لا يكون ناظرا إلى نفس الشمس ، فإذا للقلب بابان : باب مفتوح إلى عالم الملكوت وهو اللوح المحفوظ وعالم الملائكة ، وباب مفتوح إلى الحواس الخمس المتمسكة بعالم الملك والشهادة . وعالم الشهادة
شرح
( فلنرجع إلى المقصود فنقول : القلب يتصور أن تحصل فيه حقيقة العالم وصورته تارة من الحواس وتارة من اللوح المحفوظ ، كما يتصور أن يحصل فيها صورة الشمس تارة من النظر إليها وتارة من النظر إلى الماء الذي يقابل الشمس ، ويحكي صورتهما فمهما ارتفع الحجاب ) للعارض بسبب صفات بين مقارنه له ( بينه وبين اللوح المحفوظ رأى الأشياء فيه ) بحقائقها الأصلية ، ( وتفجر إليه العلم منه فاستغنى عن الاقتباس من مداخل الحواس ، فيكون ذلك كتفجر الماء من عمق الأرض ) مستغنيا به عن وصوله من الجداول ، ( ومهما أقبل على الخيالات الحاصلة المحسوسات كان ذلك حجابا له عن مطالعة اللوح المحفوظ ) وإنما حجابه حيث يحجب فمن نفسه لنفسه بسبب تلك الصفات ، ( كما أن الماء إذ اجتمع من الأنهار في الحوض منع ذلك عن التفجر من الأرض ) لاستغنائه به ، ( فكما أن من نظر إلى الماء الذي يحكي صورته الشمس لا يكون ناظرا إلى نفس الشمس ) ، وبيان ذلك إجمالا إن العالم الملكوتي عالم غيب والعالم الحسي عالم شهادة وهو مرقاة إلى العالم العقلي ، ولو لم يكن بينهما اتصال ومناسبة لانسدّ طريق الترقي إلى حضرة الربوبية والقرب من اللّه تعالى ، فلن يقرب من اللّه أحد ما لم يطأ بحبوحة حظيرة القدس والعالم المرتفع عن الحس والخيال هو الذي نعنيه بعالم القدس ، ثم جعلت الرحمة الإلهية عالم الشهادة على موازنة عالم الملكوت فما من شيء من هذا العالم إلا وهو مثال شيء من ذلك العالم ، ولا بدّ من نوع مماثلة ومطابقة بينهما . فإن كان في تلك الموجودات ما هو ثابت لا يتغير وعظيم يستصغر ، ومنه تنفجر إلى أودية القلوب البشرية مياه المعارف ونفائس المكاشفات فمثاله الطور وإن كان ثم موجودات تتلقى تلك النفائس بعد اتصالها بالقلوب البشرية تجري من قلب إلى قلب ، فهذه القلوب أيضا ومفتتح الوادي قلوب الأنبياء والأولياء والعلماء ثم من بعدهم ، ( فإن للقلب بابين : باب مفتوح إلى عالم الملكوت وهو اللوح المحفوظ وعالم الملائكة ، وباب